Sous-catégories
Département des lettres et de la langue arabe
Département des lettres et des langues étrangères

 
  • صور الحضور الاجتماعي لقسنطينة

    في السردية العربية الجزائرية

     

                            ا                               

     

    تمهيد
    :

    *طبيعة
    المكان:

     

            إن المكان عموما لا يدرس بمعزل عن
    ملابسات النص المختلفة من أحداث وشخصيات، و زمان..

            ولأن المكان الذي نقصده هو المكان الفني
    ، فمن الضروري الإحاطة بطبيعة المكان الذي جعل مركزا في النصوص التي آلينا على
    أنفسنا دراستها ..

           وبما أن المكان الأمثل أو الرئيسي أو
    المركز هو مدينة قسنطينة فمن البديهي أن نشير- ولو لماما – إلى
    طبيعة هذا المكان الواقعي ، و أسباب اختياره . هل جاء الاختيار مصادفة أم مقصودا ؟
    !

           وهذا الأمر لن يجرنا إلى المسح الشامل
    لهذا المكان ، فطبوغرافية المكان ليست محور اهتمامنا الآن إلا بالقدر الذي يخدم
    عمق الموضوع ..

           فقــسنطينة من نظرة
    بانورامية هي ذات طبيعة جبلية ، إذ يتقاسمها محوران؛ المحور العمودي ، والمحور
    الأفقي..فمنحدراتها تضاهي مرتفعاتها، حيث البيوت الهشّة ،والمهمّشة، وبالمقابل نجد
    البيوت الكبيرة ذات الهندسة الرفيعة ، ولعل هذا ينبيء عن واقع اجتماعي بئيس تترجمه
    مبانيها في تناقضها ذاك .

          وليس غريبا أن نجد مجموعة من النصوص
    السردية كانت فيها مدينة قسنطينة 
    هي المكان الأثير الذي تدور
       فيه أحداثها وتتنامى ، وتتباهى ، وتعيش شخصياتها
    .  وبما أن الصلة وثيقة بين المكان وهذين
    العنصرين ( الأحداث و الشخصيات ) ، فإننا سوف نحاول ترجمتها من خلال دلالة المكان
    عليها ...

     

    أولا
    : المكان والأحداث:

       سوف نحاول استدراج هذا المعنى من خلال مستويين
    من التقاطب، وهما: المستوى العمودي ، والمستوى الأفقي .

    1-
    المستوى العمودي : ( الحضور الشاقولي لقسنطينة ودلالاته الاجتماعية) :

    1-1-
    العمودية رمز لعراقة المدينة:

    *
    حضور الجسور ودلالاتها:

       غالبا ما يتم في النصوص التي ذكرت المدينة(
    قسنطينة) التركيز على الجسور، ومن نظرة بعيدة، أو تحتية تبدو فكرة الصعود على
    الجسر فكرة فيها الكثير من المغامرة، وينعكس ذلك على نفسية الفرد حسب طبيعة شخصيته
    ولذا فكثير ما يلجأ الروائي في نصه إلى الاستعانة بالجسور لإضفاء جو من السحر،
    والرهبة على المدينة، فهي بجسورها مدينة مشحونة ومتعالية، وإذا ما أردت التعرف
    عليها، والاحتكاك بأناسها فعليك بالصعود إليهم، وهذا ما يفسر البذخ القسنطيني ،
    والأبهة القسنطينية والتي نجدها ملتصقة بهم، وتعلن عن نفسها حتى من خلال لباسهم،
    وأكلاتهم...

    وبالتالي
    كان ارتباط قسنطينة بالجسور له أكثر من دلالة، وأكثر من معنى ..

       فحينما تقول أحلام مستغانمي في ذاكرة الجسد
    على لسان أحد أبطالها :

    "
    عادت ( أما الزهرة) بصينية القهوة، وبصحن الطمينة."(.

       فهذه علامة على البذخ القسنطيني .. وحينما
    تتساءل حياة في ذاكرة الجسد:

    - " أليست هذه قنطرة الحبال؟ "

    - فيجيب خالد:

    " إنها
    أكثر من قنطرة.. إنها قسنطينة.. "([1]).

       مع ما تحمل هذه الإجابة من عنفوان، واعتزاز
    بالانتماء إلى هذه المدينة في تعاليها، وتباهيها كما جسورها.

       ولا يتوقف الأمر عند هذا الإحساس بالتفوق
    الاجتماعي، فقط لأن الانتماء كان إلى هذه المدينة العريقة، والمميزة بجسورها، بل
    يتحول هذا الإحساس إلى ما يشبه النرجسية، بل هي النرجسية بعينها، ولنلاحظ هذه
    السوناتة في تمجيد المدينة على لسان البطل خالد:

    "
    وقررت في سري أن أحوالك إلى مدينة شاهقة.. شامخة.. عريقة.. عميقة، لن يطالها
    الأقزام ولا القراصنة.. "([2]).

       وهذه المدينة التي تحمل مواصفات الشموخ،
    والعراقة، والعمق لن تكون إلا قسنطينة:

    "
    حكمت عليك أن تكوني قسنطينة ." ([3]).

       وفي موضع آخر يقول :

    "
    لولا الجسور لما كانت هذه المدينة "([4]).

       وهنا يبرز بوضوح الحيز الذي تحتله الجسور،
    كعنوان دال على المكان، وعلامة على حضوره، بل كينونته.

       ويستمر هذا التباهي، والتعالي، والاعتزاز إلى
    درجة يتساوى فيها النقيضان ( الحياة والموت)، حينما راح البطل يتساءل بينه وبين
    نفسه عن معنى هذا الاختراق، وهذا التحدي، وهذا الصمود لمدينة لا تعترف إلا
    بجسورها:

    "
    إذا بي أسأل نفسي، أي نبوءة تحمل تلك اللوحات التي رسمتها في درجة متقدمة من
    اللاوعي، والجنون، أموت أم ميلاد تلك المدينة؟ أصمود جسورها المعلقة منذ قرون في
    وجه أكثر من نشرة جوية، وأكثر من ريح مضادة " ([5]).

       قسنطينة مدينة اختصرت في جسورها، فهي رمز
    عطائها، ورمز تطاولها، وشموخها، وانتصارها ..

    "
    من هنا مر صيفاكس.. ماسينسا.. ويوغرطة.. وقبلهم آخرون تركوا في كهوفها ذاكرتهم،
    نقشوا حبهم، وخوفهم، وآلهتهم. تركوا تماثيلهم، وأدواتهم، وصكوكهم النقدية. أقواس
    نصرهم، وجسورا رومانية ورحلوا.

       لم يصمد من هذه الجسور سوى واحد .. لم يبق من
    أسمائهم سوى اسم واحد

    "
    قسنطينة " الذي منحه لها منذ ست عشر قرنا " قسطنطين>" "([6]) هي مدينة تطل على
    العالم من عليائها. تتربص بأعدائها دون أن تطرف لها عين:

    "
    كانت سيرتا مدينة نذرت للحب والحروب. تمارس إغراء التاريخ، وتتربص بكل فاتح سبق أن
    ابتسمت له يوما من علو صخرتها.. "([7]).

       إن هذا الوصف للعلو هو معادل موضوعي لرفعة
    الشأن، ولتتجاوز حدود الرقعة الجغرافية الواقعية المعلومة، فالنص هو نقل، وتجاوز
    لحدود الواقع إلى حدود التخييل، ولمن لا يعرف هذه المدينة يتصور هذا الحيز  المكاني الفني الذي حوله الكاتب من إطاره
    الواقعي إلى إطاره التخيلي بواسطة اللغة، فللغة سلطانها، وهي التي تمد الجسور ما
    بين السماء والأرض بسرعة عجيبة.

       إن هذا الجسر وهو مكان عمودي يقوم على ثنائية
    ( الأرض والسماء)، أي الصعود والنزول، فالصعود إلى الجسر ليس كمثل النزول منه،
    وهنا تكمن مفارقة المدينة التي تتشامخ بجسورها. هذه الجسور التي هي أيضا: رمز
    المعراج الذي يؤدي بالشيخ بولرواح إلى التطهر من الأفكار." ([8]).

       هي قسنطينة مدينة لها طقوسها الخاصة. ولعل
    امتداد الجسور على طولها جعل تميزها جليا حتى في أهمية طرقاتها، فهي أحيانا أهم من
    أشياء أخرى أثمن:

    "
    أهمية الطرقات في قسنطينة أعظم من أهمية المباني، والمساكن، فهؤلاء الناس المرضى
    بالسير، وكأنهم في سجن، أو في إقامة جبرية " ([9]).

       إن هذا الصعود والنزول جعلها مدينة بمواصفات
    خاصة تحتاج إلى شروط معينة:

    "
    يجب إجراء تدريبات خاصة على السير في قسنطينة. المدينة تحتاج إلى رواد

     كالقمر.." ([10]).

       فقد تحولت غاية السرد هنا إلى تعظيم المكان،
    فإذا بالدهشة تغمر المتتبع لتفاصيل المكان، ولا يهم أن نفهم معنى دهشتنا..

    فـ
    " اندهش أولا وسوف تفهم بعدئذ " ([11]).

       إنه ولاشك يحملنا خارج العالم القسنطيني
    المباشر ليلامس الأمكنة المستحيلة.

    دهشة
    جسور قسنطينة تتبدى من خلال دورها الثنائي فهي من جهة تشد المدينة من أعلى، ومن
    جهة ثانية تشدها من أسفل:

    "
    سيدي مسيد يمتص الجزء الأعلى من المدينة، وسيدي راشد يمتص الجزء الأسفل، ولن يبقى
    إلا ما كان مسطرا على الورق من تاريخ، وفي اللوح المحفوظ من آثام.." ([12]).

       فإذا ما وقع الزلزال، فكل جسر يقوم بدوره
    المنوط به، لا الجسر المربوط في أعلى المدينة، ولا الرابض أسفلها، حينما يتساوى
    الجميع في عرف الأقدار، وتزول الحواجز بينهما. هكذا للمكان منطقه، وشريعته، حينما
    يسطر قوانين عدالته.

    ويتضح
    هذا المستوى ( الأفقي/ العمودي) للدلالة على هذا التفاوت الطبقي، فالرمز هنا
    مفضوح، حينما يقول في ( جسر الهواء):

    "
    حافة الصخرة، من الأسفل إلى الأعلى، مفصلة طبقات بعضها فوق بعض ممر ضيق جدا
    للراجلين فوقه طريق معبد يمر على جسر سيدي مسيد فوق، طريق سكيكدة، يتلولب مع
    الحافة وسط الكهوف والأنفاق "([13]).

    *
    حضور الجبال:

       بالإضافة إلى الجسور نجد التركيز على الجبال،
    ولكن بدرجة أقل من الجسور.

    مع
    ما يحمل الجبل من حمولة معرفية، واجتماعية، إذ عادة ما يخفي الجبل أسراره عن
    المنحدر، والعكس صحيح، فساكن الجبل هو دوما من فئة المهمشين الذي ينظر إلى سكان
    المدينة بعين الحيطة، والحذر.. وهذا المعنى كثيرا ما نجده في النصوص السردية غير
    أنه اتخذ في هذه النصوص التي بين أيدينا معنى مغايرا:

    "
    القمم اللامتناهية الأشكال، والأحجام تتوغل في السحاب الأبيض تارة، وفي الأشجار
    الداكنة تارة أخرى.. تليها زاحفة نحو المنحدر تلال، ورواب بعضها أخضر، وبعضها أجرد
    تلفه، أو تتخلله خضرة. عند عتبة السلسلة الجبلية تتمدد الخضرة نحو اليمين تحف
    بالوادي الملتوي بمائه الزيتي الداكن، وبصخوره الناصعة البياض. عند الأسفل تماما
    يبرز لسان من الجبل يتخطى الوادي هو جسر سيدي مسيد "([14]).

       يبدو من الوهلة الأولى. هذا الوصف مجرد وصف
    لطبيعة المكان، لكن من خلال المطابقة تتكشف لنا صيرورة الوصف حينما تأخذ طابع
    قراءة المكان،  القراءة المقارنة التي تقرن
    هذا بذاك لتلمس مدى المفارقة الاجتماعية حينما ينزل الوصف إلى المباني المجاورة:

    "
    متخللا بطريق يبدو ورغم البعد أنه مهمل، مثلث يضم حوالي مائتي مسكن من مباني
    أرضيةّ، ترابية الجدران، قرميدية السقوف... دون بوسفور قسنطينة هذا، هضاب جرداء،
    ثم تنحدر فلول حي الكدية، عمارات متصاغرة، ثم فيلات تتزاحم.." ([15]).

       هي قسنطينة تظهر تفردها الطبقي، وتخبيء الكثير
    من الأسرار في أنفاقها، ومغاراتها ، وجبالها:

    "
    طرقاتها المعلقة بين الصخور .. أنفاقها السرية الموبوءة الرطوبة.. منظر جبل الوحش،
    وما حوله من ممرات متشعبة.. غابات الغار والبلوط، وكل تلك المغارات، والأنفاق
    المختبئة. "([16]).

       فالوصف هنا شحن المكان بدلالات متعددة، إذا ما
    حاولنا الربط بين المكونات الطبيعية، والمكونات البشرية. فجبل الوحش، والممرات
    المتشعبة والأنفاق السرية.. كل هذه الإشارات تنبئ على عنصر أهم وهو الإنسان فلا
    يغيب عن ذهن القاريء أن كل هذه الإشارات تحيل على الوحشة، والخوف، والرعب،
    والوضاعة، والتهميش، والقصور

    (
    العجز).. هذه الإشارات التي تحيل  بدورهاعلى
    العديد من الثنائيات الضدية كالمرئي/

     الخفي. المادي / الروحي. الخير/ الشر. الفضيلة/
    الرذيلة.

       وهي تدرك من خلال تلك الأسماء لأماكن دالة
    تحمل الكثير من المعاني المدركة وغير المدركة.

       بالإضافة إلى هذه الإشارات، والإحالات، يأخذ
    الجبل منحى آخر للدلالة على البطولة، ويظهر ذلك من خلال ترديد البطل لذلك:

    "
    إن كل الطرق في هذه المدينة العربية العريقة تؤدي إلى الصمود.. "([17]).

       وهذا نوع آخر من التعالي، والتفاخر القسنطيني
    ..

       فمدلول الجبل- بغض النظر عن هذا المعنى، أخذ
    منحى جديدا في المخيال الشعبي، لارتباطه بالثورة، وبالبطولة، وبالتصدي، أليس من
    جبال الأوراس انطلقت الشرارة الأولى للثورة؟؟

    "
    فلم يكن يخفى على أحد أنه انتقل إلى مكان سري في الجبال المحيطة بقسنطينة ليؤسس من
    هناك مع آخرين إحدى الخلايا السبعة للكفاح المسلح "([18]).

       إن الوعي الفردي، والوعي الجماعي يمتدان في
    هذا المنحنى، فلا خلاف في ما يحمله الجبل من رمز بطولي ، وما يوازي ذلك من اشرئباب
    نحو الأفق، واعتزاز بالنفس وصون للكرامة. فالعلاقات التي تحكم هذا المستوى هي
    علاقات ذات مرجعية واقعية، والتاريخ خير شاهد.

    1-2-
    العمودية رمز للعنة الانتحار:

       مثلما تكون العمودية رمز التعالي، والشموخ،
    فإنها قد تأخذ معنى يمثل الانهيار، والتداعي، والسقوط، فالجسور هي رمز المدينة
    الأهم حتى أصبحت هويتها لكنها أيضا هي تعب المدينة ألممض، فكم من جثث تهاوت من
    عليائها، وهذه إشارة إلى السحق الاجتماعي ، والانسحاق أمام عجلة الزمن ، يسحق بين
    حجرتيها الكثير من الأحلام، والتطلعات، والطموحات:

    "
    أما جسور قسنطينة الحديدية المعلقة في الفضاء، فهي جسور مخيفة.. حزينة.لا أذكر أني
    عبرتها مرة واحدة راجلة، أو حاولت مرة واحدة النظر منها إلى أسفل إلا شعرت بالفزع
    والدوار.." ([19]).

       هي هكذا الجسور قد تحولت فجأة من مصدر تباهي،
    وتعالي، وصمود إلى مصدر حزن، وهم، وخوف.

       وفي آخر المطاف، إن ذلك يبرز التناقض
    الإنساني، فالإنسان عبارة عن شبكة من الخيوط الملونة، لا يمكن فك عقدها ببساطة،
    فالمدن بصورة ما تشبهنا..

    كما
    يتحول الجسر فجأة إلى مصدر للعنة:

    "
    ماذا لو لاحقتني دون أن أدري اللعنة التي لاحقت صالح بأي أكبر بايات قسنطينة على
    الإطلاق بسبب هذا الجسر.." ([20]).

       فالمدينة لا تهب الحياة فحسب، بل تمنح الموت
    أيضا بسرية خالصة، وبطقوس متفردة.

    "
    كم تحت عباءتك السوداء.. ابتلعت من رجال، فلم يكن أحد يتوقع أن تكون لك طقوس مثلث(
    برمودا)، وشهيته للإغراق ".([21])

       وتبقى المدينة مغرية حتى في طقوس موتها. فهي
    مدينة حينما تعطيك الموت تبحث عن كل الوسائل لتغريك بميتة أجمل. فالموت في مكان ما
    من قسنطينة ، من أحد جسورها بالتحديد هو اختيار استثنائي( الانتحار)، فمن يختاره
    يكون مقتنعا أنه الوسيلة الأكثر جدوى لإنهاء الكثير من معاناته، فذهب إليها
    طواعية، وعن قناعة:

    "
    ولن أنسى منظر ذلك الشاب الذي قفز على بعد خطوات منا أنا وحنان من على جسر

    "
    سيدي راشد " ليهوي على صخور وادي الرمال قطعة مهشمة ". ([22])

       جسور قسنطينة تمثل قطعة من العصر. مرآة عاكسة
    لمدى القلق، والجنون الذي يعصف بأحلام الشباب.

       هي خلاص بصورة أخرى طمعا في حياة أقل بؤسا،
    وفجيعة:

    "
    قبل سنوات كانت جسور قسنطينة تستقطب السياح، ثم صارت تستقطب المجانين، وشيئا فشيئا
    صارت تستقطب منتحرا كل أسبوع على الأقل. " ([23])

     

    2/
    المستوى الأفقي: ( الحضور الأفقي للمكان ودلالاته الاجتماعية):

     

       بالإضافة إلى التركيز على الجسور، والمرتفعات،
    فإن حضور الأماكن الأفقية بارز للعيان كذلك، وعلى هذا الأساس سوف نركز فيه على
    قطبين أساسيين وهما:

    الداخل
    والخارج دون أن نهمل الإشارة إلى علاقة هذا التقاطب بالمستوى الاجتماعي، فقد آلينا
    على أنفسنا استدراج هذه القيم الاجتماعية من خلال المعيار القيمي للأماكن في
    النصوص السردية التي نحن بصدد قراءتها..

       إن مجموع المدونات التي جعلناها محورا لتطبيق
    بحثنا تعج بالكثير من هذه التقاطبات بين الداخل والخارج، لذا سنحاول لم شتاتها
    للوصول إلى الغاية من هذا البحث.

     

    دلالات
    التقاطب الاجتماعية:

    *
    الخارج/ الداخل:

       إن البناء السردي لا يمكن اكتماله إلا من خلال
    التفاعل بين الأماكن الخارجية والأماكن الداخلية، فهي وحدها الكفيلة بإبراز أهم
    التصنيفات الاجتماعية بما يحملانه من دلالة السلبي، والايجابي على رأي غاستون
    باشلار.

       إن هذا الانقسام الثنائي لا يخضع للمنطق
    الهندسي إلا بمقدار ما يساهم في استجلاء الأبعاد المقصودة، والأهداف المرسومة.

       فالخارج، والداخل يحملان في ذاتهما معنى
    الصراع، وهذا جزء مما سنحاول تبيينه من خلال هذا المبحث.

       وبدءا سوف نقوم بحصر الأماكن الداخلية،
    والأماكن الخارجية مبتدئين بالحيز الأكبر، ثم الأصغر، فالأصغر، وهكذا دواليك.

    1-
    الأماكن الداخلية:

    1-1
    المدينة: هي أوسع رقعة يمكن أن تمثل أهم جانب في الأماكن الداخلية. فهي محط
    الأحداث، ومكان تحرك الشخصيات. هذه الشخصيات تتفاعل مع حيز المدينة تفاعلا
    داخليا.. وربما تخرج الشخصية عن ذاتها لتنظر إلى المدينة عن بعد..

    ففي
    قصة( البحث عن أزمنة القيء) نلاحظ تلك العلاقة الباهتة التي لا لون، ولا طعم، ولا
    رائحة لها بالمكان، فقسنطينة هي مدينة تعادل الفراغ، والخواء الروحي الذي لا يمكن ملأه
    إلا بكاسات الشراب:

    "
    ألصق المطيش بسمة على شفتيه، ثم راح يتابع القهقهات الهستيرية المتصاعدة من هوة
    عميقة، وعلامات الإحراج بادية على محياه. أراد أن يتخلص من الموقف بطريقة لبقة
    فقال :

    - تسكن قسنطية؟

    - شكلا فقط.

    - أنا مغترب. رجعت من باريس منذ ثلاثة أيام.

    -

    - زليخة السعودي ناقدة،،

    - الرؤية الانطباعية في مقالات السعودي

     

       لعلنا لا نجحد بعض الحقيقة حينما نقر بحقيقة
    أخرى اتصلت بالأديبة الخالدة زليخة السعودي .

       هذا القلم النسائي المتوثب، والذي تخطى حواجز
    البيت، والعشيرة ، والمجتمع، ليسمع صوته للآخر، فكانت التلوينات الإبداعية محطة
    أخرى لهذه الرغبة في تخطي الحواجز.

       تكاد بعض الدراسات التي تناولت عمل الأديبة
    الخالدة زليخة السعودي أن تقتصر على الإبداعات فحسب( قصة- شعر) ، لكن هناك نظرات
    نقدية، وانطباعات ذاتية سجلها قلم الأديبة، فقد تناولت بالإضافة إلى الكتابات
    الذاتية كتابات لأقلام أخرى رأتها جديرة بالمتابعة.

       لكن هذه المتابعات لم تخرج عن إطار النقد
    الانطباعي، وهو الذي كان سائدا في زمنها، ولو كانت هناك ألوانا أخرى من النقد
    لخاضت فيها، وبرعت.

       وقبل أن نتناول العينات التي تبين عن باعها في
    هذا الجانب .

    يجدر
    بنا التقديم لمفهوم النقد الانطباعي. فماذا نعني بالنقد الانطباعي ؟!.

       تعود جذور النقد الانطباعي، أو التأثري(critique
    impressionniste
    )إلى لوحة
    فنية للرسام الفرنسي كلود موني (
    Claude Monet). التي كانت تحمل نفس العنوان أي
    "انطباع"
    Impression، والتي رسمها سنة 1872، وقد تم عرضها بعد سنتين من ذلك أي (1874).

       لقد كانت الفكرة المؤسسة لهذا الاتجاه تنبني
    على ضرورة اتصال الفنان بالعالم عبر التصوير الصادق. وانطلاقا من هنا بات البحث عن
    مكانة لائقة للنقد الانطباعي تدفع بأصحابه إلى البحث عن قنوات جديدة، وأشكال
    جديدة. فبعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهرت الانطباعية بشكل جديد، وتسميات
    جديدة مثل:-

    الانطباعية
    الجديدة(
    Neo- impressionnisme)، والتنقيطية(Pointillisme)

    والتقسيمية(Divisionnisme) .

       إن المدرسة الانطباعية بمختلف أشكالها،
    وتسمياتها، كان منبعها الثر هو الحدس، والذوق على اعتبار أنهما العين الخفية،
    والأكثر عمقا في رؤية الأشياء، ومباشرتها، وكما قال عنها ( سانت بيف)(
    S.
    Beuve
    ) هو"
    نقد ينطلق من النفس إلى النفس". فالناقد الانطباعي أكثر المنصتين للذات في
    وعيها الشفاف بالعالم، وغالبا ما يحمل هذا الوعي توجسات النفس، وتوثباتها،
    ومغامراتها، واندفاعاتها، وإندلاقاتها،، وهذا ما يمكن ملاحظته في نقديات( أناتول
    فرانس
    A. France ، وجيل
    لوماتر
    J. Lemaitre) وغيرهما من
    المبدعين النقاد.

       فالنص
    عند هؤلاء هو الذي يرسل بإشعاعاته، فيلتقطها الناقد وهو تحت تأثير مفعولها، مما
    يجعله فريسة للعراء، فهو لا يرتدي عباءة منهجية معينة.

       لأنه يفتقد إلى الآليات الإجرائية في معالجة
    هذه الانعكاسات الإشعاعية..

    فالذوق،
    والتأثر عادة لا يخضعان لمنطق التعليل، لهذا فهم يعتمدون على الحس المرهف،
    والإفصاح عن المشاعر، ولعل ذلك نلاحظه حتى من خلال طريقة اختيار العنونة، فمثلا
    نجد أن جيل لوماتر، زعيم النقد التأثري تأتي عناوين مقالاته النقدية غالبا تحمل
    هذه البصمة التأثرية. مثل:- " تأثرات مسرحية" – " نظريات
    وتأثرات" – " خطاب إلى صديقي".

       وفي تعريف" لوماتر" للنقد التأثري
    يقول:- " كيف يمكن أن يصبح النقد الأدبي مذهبا؟ إن المؤلفات تتقاطر أمام
    مرآتنا الروحية، ولكنه لما كان القطار مديدا، فإن المرآة تتغير، وعندما يحدث أن
    يعود نفس المؤلف للمرور أمام المرآة، فإنه لا يعكس نفس الصورة ".

    ويقول
    أيضا:" إننا نحكم بالجودة على ما نحب، أي أننا نرى حسنا ما نحب، وهذا كل ما
    في الأمر.".

       نلاحظ من خلال هذه النقطة إن الناقد الانطباعي
    يبتعد قدر الإمكان عن صرامة النقد، ودقته،، فتصبح العبارة عندهم عبارة عن تهويمات
    في فسحة الروح، فتدخل المتعة، ولا تطمح إلى نشر فكرة.

       وكثيرا ما نجد هذا النوع من النقد التأثري في
    أدبنا الجزائري، وقد تعرض لها بشيء من التفصيل الأستاذ- يوسف وغليسي- من خلال
    كتابة الموسوم بـ " النقد الجزائري المعاصر من اللانسونية إلى الألسنية فذكر
    كلا من ( أحمد منور- الطاهر يحياوي ومحمد توامي – أم سهام- عمر أزراج- مخلوف عامر-
    محمد بوشحيط- محمد زتيلي- جروة علاوة وهبي- عبد الملك مرتاض( في بداياته ) ومحمد
    مصايف- عمار بن زايد ..
    *

    هؤلاء
    الذين كانت إسهاماتهم موثقة في كتب، في حين إن الكثير من النقد الانطباعي تعج به
    الكثير من الجرائد، والمجلات.

    *
    زليخة السعودي ناقدة تأثرية:-

    إن
    إعطاء ملمح متكامل عن مسيرة الرائدة زليخة السعودي هو من قبيل المستحيل، وعن
    محاولة الإحاطة بمقالاتها النقدية يصعب فعلا تصنيفها، فهي على بساطتها تحمل الكثير
    من اللمسات النقدية، وتكاد الأمور تلتبس على الدارس حينما تبدو ملامح متلونة في
    مقالاتها، وذلك حسب طبيعة كل مقال، وإن قلنا بالنقد الانطباعي، التأثري، فلن يكون
    هذا حكما مسبقا باعتبار أن جل المقالات عبارة عن آراء شخصية، وانطباعات لا تفلت من
    قيد الذاتية، ورغم ذاك تطوف أحيانا بعض أطياف النقد الاجتماعي (
    Socio-
    Gritique
    ).

    وهذا ما نلحظه عند
    تناولها لقضية الالتزام في الأدب
    ، معيبة
    على الأديب الجزائري عدم إيمانه بهذه القضية:- " ويزعم أن أي قيد يقيد به
    الفكر من شأنه أن يجمده عند الإنتاج".
    *

     

       وتضرب مثلا بـ" أيام الثورة وبعدها رأينا
    أولئك الذين كانوا في أشد اللحظات ظلاما وعذابا،، يهرعون إلى ظلالهم الذاتية
    بعيدين عن الأحداث الهائلة التي يمر بها وطنهم، وتجتازها ثورتهم الجبارة."([1])

       وتعيد ذلك الانكفاء على الذات إلى طبيعة المحنة
    حيث المستعمر هو الذي يملي شروطه، وأن سبيل الحرية ضيق..

       ولهذا فلا عذر لمن يعيش في جو الحرية، ألا
    يعلنها صراحة قضية التزام.

       وتتفرع المفاهيم في هذه المقالة، فمن قضية
    الالتزام تعالج بوعي كبير المشهد الثقافي في الجزائر، فتبدأ بالدعوة إلى "
    إنشاء رابطة تضم حملة الأقلام في الجزائر"، دعما ومساندة لنداء الأستاذ (
    أحمد بناسي)، ثم تنتقل إلى وسائل الإعلام المسموعة والمكتوبة آملة أن تكون منبرا
    للإبداعات، والدراسات، والأبحاث .

       وكم كان حلمها شرعيا حينما تطلعت إلى إنشاء
    مجلة ( الآداب)، لتضم إنتاج الأدباء، وتشجيع الناشئة، ثم تعرج على الترجمة، وتدعو
    إلى ترجمة الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية.

       قلنا إن هذا المقال فيه بصمات النقد الاجتماعي
    الذي عادة ما يستخدم جملة من المصطلحات المحددة التي تدل عليه مثل: - ( رؤية
    العالم- الالتزام- الانعكاس- الأدب الهادف- الأدب الرسالي- البطل الإشكالي- البطل
    الايجابي- البطل السلبي- جدلية الشكل والمضمون- الواقعية).

    لكن
    يبدو تحيزها واضحا للنقد الانطباعي، إذ تظهر انعكاسات النصوص الأدبية التي قرأتها
    على مرآة الذات، وهذا ما نجده في مقالات مثل:- المرأة في الأدب الجزائري، والتي
    تبدأها بقولها:- " سألت الصديقة، وهي تضع" دخان من قلبي" جانبا..
    ما رأيك فيه يا خديجة " نوة " إنها رائعة "([2]) 

       وهي بداية استحسانية ( لوميترية)، وتؤكد أكثر
    على هذا الطابع التأثري حينما تقول في موضع آخر:" فنحيا لحظات مع الشابي في
    أغانيه القديسية، أو يعذبنا الشقاء ، فنتشاءم مع الجبران، ونتمرد دون جدوى"([3])

       وهذه إشارة واضحة إلى الطبيعة الانعكاسية الإشعاعية
    لهذا النقد حيث يتصل كل من النص وناقد النص بوصلة كهربائية خاصة تعمل على نقل
    التيار بين الطرفين.

       وفي محطة أخرى من نفس المقال تشير إلى ( نار
    ونور) والى ( اللهب المقدس) إشارة تحمل الكثير من الحس الجمالي المعتمد أصلا على
    الذوق. وتبدي شعورها بالإعجاب بالذين يهتمون من الأدباء " باستخراج حقيقة
    المرأة الجزائرية الكامنة في الريف..

       هذه المرأة الصادقة النقية.. لا يمكن أن تكون
    غبية.. إن شعاعا فريدا دخل أعماقها، فاستيقظت على هبوب الأنسام الحية الجديدة
    "([4])

       ثم تتناول بعض الأمثلة التي جعلت المرأة محورا
    لأعمالها الإبداعية كـ.. مصطفى الأشرف في أقصوصته" الباب الأخير" ، ثم
    إلى رواية مذاعة لمولود معمري، ثم قصة قصيرة لمحمد ذيب تحمل عنوان ( الأرض
    المحرمة).

       وفي تعليق انطباعي تقول:" آلاف القصص جرت
    ذات ليلة حالكة، أو يوم مطير شهدت ميلادها صخور « أو تلال، أو سهول جرداء، واليوم
    تحكيها لنا عيون وجباه، ونساء بسيطات نقيات كالشعاع الذي يملأ خيامهن بالنور
    والحياة.» ([5])

       وهي رغم موضوعيتها أحيانا في تناول الإبداعات
    إلا أنها لا تستطيع التخلص في هذا الموقع، أو ذاك من أسر الانطباعية، فتبدي
    بآرائها المستحسنة، والمستهجنة ، والمسايرة لأسر النص المدروس وهو ما نكتشفه من
    خلال مقالاتها الأخرى مثل: ( أحمد رضا حوحو)، وموضوع( رحلة إلى دنيا الشعر)، وقد
    أسمتها ( نفحات) مع ما توحي به هذه الكلمة من شاعرية، وزئبقية، وكغيرها تبدو فيها
    ظلال النقد الانطباعي تارة حينما

     تقول:-" يكون الفكر والحماسة الفنية الحق
    بعيدة عن كل ذلك ترقب الأمواج المندفعة بعين ثاقبة.. فالمسألة ليست مسألة تحيز أو
    تعصب، أو حتى إيمان.. إنما ذوق وحساسية وشعور.." ([6])

       وتارة أخرى نجد ظلال ( هيبوليت تين) حينما
    جعلت البيئة عنصرا فاعلا في الإبداع .." فالبيئة التي أتبعت أو ولدت امريء
    القيس، وعنتر، وزهير بن أبي سلمى، وغيرهم غير البيئة التي ولدت المتنبي وأبي فراس،
    والبيئة التي أنجبت شوقي، وحافظ، ومطران غير البيئة التي تنتج اليوم البياتي،
    ونازك، ونزار، وأبي ريشة"([7])

       ولكنها تعود لتؤكد على انطباعيتها حينما
    تقول:- " إن التجاوب والتفاعل ، وهما العاملان الأساسيان في نفوسنا للحكم على
    اتجاهنا الشعوري نحو شاعر،

    أو
    شعر ما .." ([8])

       وهي تسير على نفس المنوال في مقالاتها الأخرى
    كـ مقالة " باقاتها المذهبة" حول فدوى طوقان، ( وعاشقات الليل) حول نازك
    الملائكة، أيضا مقال" السائحي والانتفاضة الشعرية الحديثة" ، إذ يبدأ
    المقال بمقطوعة السائحي، ثم تتعقبها بشيء من الانطباعات التي تشبه الشعر، وهذا
    دليل آخر على التجاوب النفسي، مع الاندلاقة التلقائية التي تمتثل مع اندلاقة
    الشاعرة- " عندما تنطلق الروح من عقالها.. وتهيم في شاسع المسافات كنسمة عذبة
    تهز أوراق الورد. وتمتزج في شذى الأفق المنبسط نفسا من أنفاس الطيوب، وتمضي بعيدا
    إلى حنايا مجهولة تعرفها وحدها، وإحساسها المتوثب تاركة الكيان عروقا تحقق لسراها
    المنتثي".  ([9])

    والأديبة
    كما نرى قد تذاوتت مع المقطوعة، وسايرتها وغمرتها نشوة من نوع خاص.

       وهذا ما نجده أيضا في قولها:" وسنظل أبدا
    نحب في الشعر الإرهاف، والصفاء، والجمال، وسنظل نعجب بالشاعر من خلال صدقه،
    وإنسانيته، وسموه." ([10])

       وفي نفس الإطار تتناول الأديبة الشاعر( نزار
    قباني)، والأديب ميخائيل نعيمة، والروائي الكبير نجيب محفوظ، إذ تناقش اتجاه كل
    واحد منهم من خلال نماذج من كتاباتهم، في نظرات انطباعية تنم عند ذوق فائق، مع
    صواب في الرؤية.

       ويلاحظ في المقال الواحد أحيانا " تلجأ
    الأديبة إلى الحديث عن كتابات مختلفة، مما يدل على غزارة أفكارها من جهة وكثرة
    استطراداتها من جهة أخرى"([11])



    * - أحمد منور: قراءات في القصة الجزائرية.

       - الطاهر يحياوي ومحمد توامي: شعر وملامح.

       - أم سهام : شظايا النقد والأدب .

       - عمر أزراج: الحضور.

       - مخلوف عامر: تجارب قصيرة وقضايا كبيرة.

       - محمد بوشحيط: الكتابة لحظة وعي.

       - عبد الملك مرتاض: نهضة الأدب العربي  المعاصر في الجزائر.

       - محمد مصايف: النقد الأدبي الحديث في المغرب
    العربي .الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ط1 
    1979 ،

       - عمار بن زايد: النقد الأدبي الجزائري
    الحديث.

    * - زليخة السعودي : الأعمال الكاملة، مقال (
    الحلقة الفارغة ) ص : 263 .

    [1]) ) - م س ، ص: 264.

    [2]) ) - الأعمال الكاملة، ص: 267.

    [3]) ) - م ن ، ص : 267. 

    [4]) ) - م ن، ص، ص: 268، 269. 

    [5]) ) - م ن، ص: 270.

    [6]) ) - الأعمال الكاملة ، ص:
    276. 

    [7]) ) - م ن ، ص: 276.

    [8]) ) - م ن ص: 280.

    [9]) ) - الأعمال الكاملة، ص: 293.

    [10]) ) - م ن ص، ص: 308.

    [11]) ) - د شريبط أحمد شريبط، الأعمال
    الأدبية الكاملة في تعليق على إحدى مقالات زليخة السعودي، ص: 324

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

      




  •         الشاعر شارل بودلير

     مفجر الرمزية

     

     

    مدخل إلى المدرسة الرمزية :

     

    الرمزية مدرسة أدبية متكاملة , منبثقة عن مدارس أدبية
    أخرى سبقتها , وهي مدرسة قائمة على الروحانية والسرية ,في حين كانت الكلاسيكية
    قائمة على العقلانية ,والرومانسية على الانفعالية ,والبرناسية على الحسية..

     إن الرمزية
    تعتبر حركة داخلية تخطت الحواجز المرسومة المقاسة بالمسطرة والبركار , والتي
    كرستها الكلاسيكية ، وأعتقت الروح من قيود العقلانية , وراحت تحلق بها , ومن
    خلالها وفق مباديْ , وأصول انتهجتها , وتعبر عنها بكلية وشمولية .. 

     والرمز هو
    " أفضل طريقة للإفضاء , بما لا يمكن التعبير عنه , وهو معين لا ينضب للإيحاء
    , بل التناقض كذلك"1.

    وأما الرمز الأدبي , فهو ليس إشارة إلى مواضعة أو
    اصطلاح..إنما أساسه علاقة اندماجية بين مستوى الأشياء الحسية الرامزة , ومستوى
    الحالات المعنوية المرموز إليها , وعلاقة التشابه هنا تنحصر في الأثر النفسي,لا في
    المحاكاة , ومن ثم فهو يوحي , ولا يصرح , يغمض , ولا يوضح ".2

    الرمزية إذن هي نوع من الإيحاء الذي يحرر من الثقل
    الترابي , فالواقع لا يعنيه إلا كمرجعية رمزية يستمد منها الصور.

    ونجد أن الناقد الرمزي الكبير( وليام يورك تندال )

    W –y-tindel

    يعتبر الرمز" تركيبا لفظيا أساسه الإيحاء  عن طريق المشابهة بما لا يمكن تحديده,بحيث
    تتخطى عناصره اللفظية كل حدود التقرير موحدة بين أمشاج الشعور والفكر ".3

    فهو يحتكم إذن إلى مبدأ التجاوز والتخطي, فلا يكتفي بما
    هو ظاهري ومباشر , بل يتوغل في باطن الأشياء,فيخرب نظامها, ويخرجها في فوضاها
    الجميلة السديمية الأولى , التي تترجرج داخلها ثنائية المطلق والنسبي , الثابت
    والمتحول...."الحقيقي وغير الحقيقي, الواقعي والخيالي ".4

    إنه بصورة أخرى إعادة تشكيل , وميكساج , وكولاج رؤيوي
    ينبع من داخل الذات الشاعرة , وليس من خارجها عبر ما يسمى ب " الحدس الشعري
    "..

    إذ يصبح الواقع وفق هاته الرؤية واقعا مكثفا , فيه يتم
    الكشف عن " المعنى الباطن , والمغزى العميق"..5

    وأهم ما يميز المدرسة الرمزية هو تضمنها قدرا من
    الغموض,,فالرمزتفسيره بتعدد احتمالاته..

    وقد ارتبط مفهوم الرمز بفلسفة الحلم ارتباطا وثيقا مثلما
    فعل الرومانسيون في البداية , ونجد أكثر المهتمين بهذا المجال الفيلسوف الألماني
    هيردر/ . إلا أن الرومانسيين لم يتعمقوا في دراسة الظاهرة ,في حين أخذ الرمزيون
    هذا الجانب بالدراسة , وتوغلوا في الظاهرة واستفادوا من تجارب الرومانسيين ,
    ونظريات فرويد في الحلم..

        

    إذ أصبح الحلم ضربا من الصوفية , ومنهلا من مناهل
    الإبداع , والخيال الشعري ..

    وقد طفر بودلير كرائد من رواد الرمزية , فأضحى الرمز
    لديه " معادلا للرؤية وأداة لاقتناص الرمز المعقد.."6

    وسنحاول في هذه الإطلالة التعرف على مجهودات ممهد
    الرمزية , الشاعر الفرنسي شارل بودلير ...

     

                   شارل بودلير مفجر الرمزية..

     

    شارل بودلير الشاعر الفرنسي , الذي أول ما يعرف بديوان
    "أزهار الشر" الذي أثار ضجة كبيرة في الوسط الأدبي , والنقدي ,
    والاجتماعي , والعقيدي آنذاك..

    رفع شارل بودلير لواء التمرد على أنظمة المجتمع , وقيوده
    ..

    إذ " كان الصراع قائما أبدا في نفسه بين اليقين
    الديني , والنوازع الدنيوية , وكان يربأ بالواقع , وينقضه بالمثال , ويحن إلى
    عوالم جميلة أخرى"..

    متبرما من الواقع ،واقع الأشياء والناس البشع ,
    والمزيف..هذا الواقع الصناعي الذي يعتبره بودلير قناعا على الحقيقة الأولى , البكر
    , المتخفية وراء الأشياء..

    كما مجد بودلير الرمز , إذ يرى أن " كل ما في الكون
    رمز , وكل ما يقع في متناول الحواس  رمز
    يستمد قيمته من ملاحظة الفنان لما بين معطيات الحواس المختلفة من علاقات" فأحدث
    بودلير ما يسمى في النقد الحديث بنظرية التراسل البودليرية ..

    هذه النظرية تقيم بواسطة الرمز تشابكا بين الواقعي ,
    والخيالي ، والأسطوري..

    كما توزع امتدادها الزمني عبر اتحاد كلي بين الماضي
    والحاضر, والمستقبل.. بين الإقليمي والقومي ، والإنساني ، والذاتي والعام..

    فالرمز كل ذاك، وهو بالإضافة إلى ذلك كما ذكر إليوت :
    " الرمز يقع في المسافة بين المِلف والقاريء،لكن صلته ليست بالضرورة من نوع
    صلته بالآخر ...إذ أن الرمز بالنسبة للشاعرمحاولة للتعبير ، ولكنه بالنسبة للمتلقي
    مصدر إيحاء". 7

    ويبدو أن الرمز كأداة غاية في الدقة ، والتعقيد تتكل على
    نزوع من عقدة في الفكرة أساسا ، أو كما عبر الشاعر (إليوت أن هذا الشيء يعود
    "إلى صعوبة التعبيرعن عاطفة قوية يحسها الشاعر ، أو فكرة هي في ذاتها غامضة
    تستعصي على الكشف ".8
     
    كما نجد أن رينيه ويلك وأستين وارين يقسمان الرمز إلى ثلاثة أنواع هي :- الرمزية
    التراثية ، الرمزية الخاصة ، والرمزية الطبيعية..

    لقد قام شارل بودلير بتقويض الحواس المألوفة
    ."فالحاسة السمعية والبصرية والذوقية ليست سوى سبيل للجهل والعقم".9

    ولم يكتف بودلير بالهدم ، بل أتى بالبديل حينما توصل إلى
    كون أن هناك حاسة نفسية داخلية تقوم بآلية المزج ، والتآلف بين ما هو نغمي ، ولوني
    ، وشمي ..

     إنه بشكل ما يقوم بتسفيه الواقع ، فهو يتخطاه
    ويتجاوزه نافذا إلى ما ورائية الواقع ، وإلى المافوقواقعية ..

    إن الشاعر الرمزي بودلير مثله مثل الشاعر إدغار آلان بو
    وقفا على مبدأ من مباديء الرمزية وهو " دراسة المادة دراسة نفسية فيما يدرسها
    العلم دراسة حسية "..10

    إن هاته الدراسة النفسية ذات أبعاد صوفية ، وروحية تعتمد
    على الحركة الداخلية التي تصغي لعمق الأشياء ،  
    وصوتها الخفي ..

    كان بودلير " يستغرق ويذهل في قلب المادة ، وأنه
    كان ينفذ منها إلى أبعاد لا تتيسر للإنسان العادي الأليف المدجن على مفاهيمه
    وانفعالاته ".11

    فهو مثلا حينما يتحدث عن العطور في قصيدة(المراسلات)
    الشهيرة، نجده (بودلير) قد دخل قلب العطر ، ولمس روحه المتجلية ،  وقد وجد هذا العطر ذا جسد طري كجسد الأطفال ..

    من هنا نجد أن الشاعر قد قوض حاسة الشم واستبدلها بحاسة
    اللمس..ثم ينتقل إلى نوع آخر من العطور حينما يقول أن هناك عطرا عذبا كالمزمار.
    فبودلير قد استمع بحسه الشعري إلى هذا النغم المنبعث من العطر ..فكأنه يحقق ما
    يسمى عند الرمزيين بوحدة الحواس ، وهي أيضا من المباديء الرمزية.. 

    وهو في الوقت نفسه يجد للعطر لونا ، فيقول أنه أخضر
    كالمروج ..

    هذه الماوراء / حسية . المافوقواقعية هي التي أتاحت
    للرمزية ، أو بواسطتها " اخترقت جدار الحس ، وشاهدت لون الاخضرار في العطر ،
    وسمعت نغم المزمار ، ولامسته في جسد الأطفال "12

    إنه يعيد وحدة الحواس بواسطة رمزية الشعر ..لقد أتاحت
    هذه الرمزية للإنسان كي يعانق المطلق ، ويتلمس الآفاق دون أن حدود تعوقه..

    وأن كان الشاعر (شارل بودلير) يعتبر ممهدا الرمزية ،
    فإنه يمثل أيضا مرحلة وسطى ما بين الرومنسية والرمزية ..

    " وإن كان أصحاب هذه المذاهب
    كلها يدعونه ، ويعترفون بأسبقيته ، وأبوته الفنية لهم ..البرناسيون يجدونه برناسيا
    في ديباجته الناصعة ، وعبارته الصقيلة المنغمة ، والرومانسيون ينتسبون إليه ،أو
    ينسبونه إليهم في حسه التشاؤمي ، والعدمي ، وفي تلمسه للفاجعة عبر ملامح
    الوجود.." 13

    ومهما قيل عن انتماء بودلير إلى هذه المدرسة أوتلك ،
    فشعر بودلير ، وتوقه إلى المطلق كان ينبع من داخل ذاته ، ومن عمق معاناته
    الإنسانية والنفسية ، تلك النفس التي كانت تفيض بمثل هاته الهواجس المفعمة بميولات
    النفس ، وتوجساتها ..

    وقد عبر الشاعر (شارل بودلير) في مقدمة ديوان( أزهار
    الشر) عن هاجس السأم الذي يعانيه الشاعر ، وهو " سأم وجودي من عجز الإنسان عن
    الخلق والابتكار ، أو التجديد الفعلي ".14

    كانت قصائد بودلير تمهيدا للرمزية ، فهي قد سبقت الكثير
    من المحاولات دونما تخلص تام من آثار الرومانسية " وإن كانت قصائده أشد
    تثقيفا ، وصفاء ..ولعل (هيغو) أحس بذلك حينما قال :" لقد أولجت رعشة جديدة
    على الشعر الفرنسي".15

    زرع بودلير بذور الرمزية من خلال تجربته الصوفية الفريدة
    التي استطاعت أن تقولب مفاهيم سائدة ..

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

    الإحالات والمراجع

     

    . ص 36 
    .الدهر المصرية   الرمز والرمزية في الشعر العربي المعاصر  . أحمد فتوح 
    -
    1

    إبراهيم .رماني 
    .الغموض في الشعر العربي الحديث. ديوان المطبوعات الجامعية .الجزائر . ص
    273

    المرجع نفسه ص273 
    - 
    3

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     


  • المدلول الغائب في ذاكرة
    الجنون والانتحار

    للروائي احميدة العياشي

    مقدمة:

    ظل التجريب هو ملح الرواية الجديدة، يعطي لها نكهتها الخاصة، ويبرر
    كينونتها عند حدود الملامح التي يرسمها الأديب لعالمه الروائي، فأصبح الظفر بملمح
    مستهلك، ونمطي للرواية لا ينسلخ إلا على التجارب المحدودة، ومع هذه الثورة
    التجريبية، وما يكتنفها من مزالق بدأت الرواية العربية في تأسيس منظورها الجديد
    الذي يبلغ أحياناً حدّ الغلو حينما يفرغ النص الروائي من مدلولاته...

    وقبل محاولة تلمس سمات هذا المعنى في رواية تكاد تخلو من المعنى
    علينا بالتعريج ـ ولو لماماً ـ على المشروعات الحداثية في الرواية العربية
    الجديدة...

    الرواية العربية الجديدة:

    بدأت ثورة التجديد الروائية العالمية مع الروائي الفرنسي (آلان روب
    جرييه) الذي فجّر البناء المعماري المقنن للرواية الكلاسيكية، وإذا ما قلنا
    التجديد في الرواية "يجدر بنا أن نلاحظ أن التجديد ليس قضية هامشية تتعلق
    بالهيكل الخارجي لكنها قضية فلسفية تقوم في الأساس على نظرة الإنسان إلى الوجود،
    والإنسان، والمجتمع"(1).

    ويعزي الكثير من النقاد التطور الحاصل في منعرج الرواية العربية إلى
    تجربة "(نجيب محفوظ)، هذه التجربة التي تحتاج إلى مراجعة نقدية شاملة تقدم
    مؤشرات هامة على تطور الوعي، وتطور العلاقة بالأشكال الجديدة" (2).

    ثم لا يجب أن نجحد دور الأسماء العربية الأخرى التي طرحت كتاباتها
    الروائية مسألة البحث عن الذات كـ (أميل حبيبي ـ ويحيى يخلف والطيب صالح، ويوسف
    حبشي الأشقر، جبرا إبراهيم جبرا، محمد شكري، إدوارد الخراط، إلياس الخوري، حنان
    الشيخ، جمال الغيطاني، عبد الوهاب المؤدب، محسن جاسم الموسوي، الأعرج واسيني، نبيل
    سليمان..

    كل هاته الأسماء تشكل سؤال وهاجس الثورة على الشكل الكلاسيكي في
    الرواية. فمثلما "الشعر لم يعد هو الكلام المنظوم المقفى، فإن الرواية لم تعد
    حكاية تقوم على الحبكة والشخصيات، وغدا كل من الشعر والرواية فناً يتميز برؤيا
    تعيد خلق الواقع حسب رؤية الفنان، وتجربته" (3).

    من كل هذه الحيثيات يبرز إلياس الخوري ليقول: "ـ إن الكتابة
    الروائية هي رحلة في الخارج والداخل، وهي رحلة إلى الآخرين، وفي الذات في نفس
    الوقت" (4).

    فكيف يبرز الأمر مع الروائي (أحميدة العياشي) من خلال النموذج الذي
    بين أيدينا...

    النص من الداخل/ اللحظة الفانطاستيكية:

    الرواية مؤشر لتجربة الصراع مع الذات أولاً، ومع الآخر ثانياً، ومع
    اللغة مطلقاً.. إنها رواية تنفلت من قبضتك، فلا يمكن أن تمسك ببقاياها، فليس لها
    بداية ولا نهاية، إنما لا تنصاع إلى تلخيص، ولا إلى تعليق، فقراءتها تصوغها متعة
    الاكتشاف، ولا شيء غير هاته المتعة التي ربما لن يجدها إلا القارئ غير العادي
    (النموذجي) حسب (أمبرتوايكو) (5)، بمعنى آخر الذي يهمه الإطلاع على التجارب
    الروائية الجديدة، والذي تنتفي أمامه مقولة (أي. أم فورستر): "إن النقاد الذين
    يربطون بين الرواية والحياة يبحثون شؤون الحياة، وينسون الرواية" لذا فنحن
    أمام روائي جديد لابد من قراءة تفاصيله.

    إن رواية (ذاكرة الجنون والانتحار) تضعنا أمام متعة اكتشاف ذات
    الكاتب بكل انثناءاتها، وانزلاقاتها، ودروبها الوعرة، ومسالكها المتشابكة، وأزقتها
    المحفورة الدروب.

    وندرك بالضرورة أن الكاتب يعاني هاجس التجديد، فالأشكال الكلاسيكية
    أصبحت عيية، والمفروض أن يجد لنفسه شكلاً يحتويها، فكانت هاته الفسيفساء اللغوية
    متجاوزاً التنظيرات الهندسية للرواية إلى محاولة رسم أبعاد التجربة النفسية، تجربة
    الذات والتقاط تفاصيل الأمكنة، والحركات واستبطان ما يصطرع في الأعماق من مشاعر،
    وهواجس، والتي انعكست بكل اضطراباتها في أحداث الرواية.

    بالإضافة إلى هذا نجد أن فضاء الرواية كابوسي، فالمتخيل، والواقعي
    يلتحمان في شكل يثير الدهشة، يتولد على إثرها الحدث الفانطاستيكي الذي بإمكانه الكشف
    عما لا تستطيع اللغة الواعية إيصاله.

    ولبلوغ هذا المنحى التراجيدي، يستعمل الراوي أكثر من مكون في نسجه
    كالتنويع السردي، والغرائبي، والمونولوج، والفلاش باك، والحمولة الفكرية،
    والاستبطان الشعري.

    فهو تارة ذلك اليافع الذي تملؤه هواجس واقعه المربك، الواقع الكافكاوي
    "كنت مغارة، حجرتي كانت مغارة، نمل، صراصير وعثاء شبه ميتة، ورملية النكهة،
    كانت تتثبت أرجلها الطويلة، القصيرة بتلال وهضاب جسمي اللزج..." (6).

    تتبدى اللحظة الفانطاستيكية الحاسمة، حينما يتداخل الواقعي بالمتخيل
    فيتماهى البطل في كينونة الروائي ليتحدان في فضاء واحد.

    "ذلك الممدد على الفراش كان يشبهني، كنت أنا، كنا اثنين، كنت
    الميت والحي، كنت الثابت والمتحرك. كنت الغائب والحاضر. كنت الوجود والعدم.."
    (7) "تأمل جثتي الفائرة برائحة الردى الرزقاء، جلس إلى جانبي، وهجم على الشاي
    الذي كان يسكنه صقيع الحجرة، وقضم الخبز اليابس" (8).

    وهو تارة أخرى الطفل الذي تتحرش به ذاكرته ـ الطفلة مسترجعاً بها لغة
    الطفولة والحلم: "أصوات، الأصوات تزعجني، المعلم حرشاوي، أكره شبحه، أكره
    طوله، أكره جنونه، أكره ساديته، أكره يده، أكره مسطرته الحديدية" (4).

    "لم أكن أخشاه وحدي، لم أكن أكرهه وحدي" (9).

    معلم حرشاوي.. كنا نحن التلاميذ، تلاميذ مدرسة ماكدرة الابتدائية
    نكرهه، لأنه كان مجنوناً، لأنه كان مريضاً، لأنه كان... اجتاحتني الذاكرة..."
    (10).

    "كانت الساعة ملقاة على الأرض، تسقط الساعة، ولم تنكسر، عندما
    انقض علي حرشاوي باللطم واللكم، ورأيت شبه نجمة بيضاء وحمراء، سقطت ساعته، وتحت
    رجليه الضخمتين تكسرت، وتسقط الأحلام، وكالجليد الزجاجي تتصدع، تنكسر، شعرت
    بالانهيار..." (11)

    وهو دوماً في محاولة لإيصال حركية اللغة بحركية المعيش باللحظة
    الواقعية الآسرة، بالقبض عليها، وملء فجواتها: ـ

    "اكتشف فمي.

    يا، يا، يا، اكتشف فمي،" (12).

    تثار هنا دهشة الطفولة في أقدس قداس عريها...

    ثم في استبطان شعري يعطي للغة نكهتها، ويطرز تضاريس الواقع، ويوشيها:

    "الوجوه التي أعرفها، ولا أعرفها، والتي لا أعرفها وأعرفها...

    الوجوه الزاخرة بالبراكين، بالقمر، والشمس، والحناء...

    الوجوه السمراء

    الوجوه السوداء

    الوجوه الصفراء" (13).

    "وهران كانت ترقص، كانت تسكر في قلب زهرة" (14).

    "كانت ترقص، يرقصها القلال، والقصبة، ونزق الشيخات" (15)

    عموماً ما يلاحظ على الرواية أنها تمتاز بـ "ميل إلى الخصوصية
    والتفرد، وهذا في الموقف، واللغة، والنظرة معاً" (16)

    إنها رواية تستوعب مؤشرات السمات الواقعية، والرمزية،
    والفانطاستيكية، والاستبطانية، والشعرية، وترتاد كل المجالات، والتجارب.

    النص من الخارج: ـ خطاب الهذيان/ هلوسة النص:

    ينبغي لنا أن نشير أن (ذاكرة الجنون والانتحار) جاءت لتثبيت موقف أو
    مشهد أو سيرورة استبطان عن طريق كاميرا تبطيئية تضفي على اللقطة ديمومة كثيفة، وهي
    بالإضافة إلى هذا رواية تثبت ذاتها، وتفرض نفسها من خلال لعبة اللغة. ندرك أن
    بالروائي ميلاً إلى محاولة تحطيم الشكل الروائي المعتاد فكانت رقعة اللغة
    كالشطرنج، يحرك بيادقها وفقاً لتصوراته، وأحواله النفسية.

    إن هذه الرواية لا تقوم على الحدث بقدر ما تتشكل من حيثيات مغايرة
    "فيتكسر خلالها السرد، والوصف كما تتكسر الفوارق بين الواقعي، والمتخيل، بين
    الظاهر والكامن، ويصبح الحادث مجرد إطار يتلاشى وراء رصد الامتدادت الأفقية
    للعلائق، والسلوكات" (17).

    إنها رواية تتجه إلى "استثمار إمكانيات مزج الواقعي والمتخيل...
    لرصد حالات شعورية ممعنة في الرهافة والتمزق، ومتولدة عن أسئلة وجودية حادة"
    (18)

    وكي نستوعب هذه الخصوصية التي تميزت بها الرواية نحاول أن نختزلها في
    النقاط التالية:

    أ ـ الاتكاء على التنويع المروفولوجي.

    ب ـ التكرار اللفظي

    ج ـ الثنائية الضدية.

    د ـ الفاصلة كمنحى دلالي.

    هـ ـ الجمل الخاطفة.

    وـ لعبة الاقتباس:         
    1 ـ لغوي

             
             
              2 ـ قرآني

    أ ـ الاتكاء على التنويع المورفولوجي:

    إن البعد الدلالي الذي يحمله التنويع اللغوي يهدف إلى الوصول بالقارئ
    إلى حالة الالتحام القصوى بالأزمنة كي يكون بالإمكان التوغل خلالها، إننا نعيش عبر
    هذا الانتقال الزمني حالة اصطدام مع اللغة من خلال تهديم الجو العام للنص:

    "الأحلام تتصدع

    تصدعت الأحلام.. وكالجليد الزجاجي تتصدع الأحلام..

    الأحلام تنهار".

    نلاحظ هذا التنويع، وهذا الانتقال المفاجئ، والمقصود في آن معاً...

     

    إن التقاء الماضي برؤيا يكشف عن اللحظة التي تتصارع فيها الوقائع
    النفسية للبطل/ الروائي.

    "يعوي الراي من قلب السيارات.. وهران كانت ترقص، كانت تسكر في
    قلب زهرة".

    إن هاته الانتقالية الزمنية تضع القارئ أمام كاميرا استبطانية،
    ارتدادية، يسير من خلالها مع الروائي جنباً إلى جنب.

    ب ـ التكرار اللفظي:

    ما يلفت الانتباه في الرواية هو هاته اللعبة اللفظية التي تتكئ على
    منحى التكرار الذي يختزل التجربة النفسية التي يعيشها البطل فهو تارة يستخدم
    التكرار في محاولة لملء فضاء النص الروائي، وإشراك الأذن في التقاط الأصوات:

    "أصوات، أصوات، أصوات... " (19).

    وتارة أخرى محاولة لعكس الحالة النفسية للبطل الروائي...

    "بؤسها أنها كانت متناثرة، وضائعة كحبات عقد أسطوري، كانت تصطك

    العقد الأسطوري... العقد الأسطوري.

    العقد الأسطوري، تصطك..

    العقد الأسطوري، تصطك..

    العقد الأسطوري، تصطك"(20)

    "في الخارج كن ينحبن، هن ينحبن، ويعولن، ويصرخن" (21).

    يبقى الكابوس النفسي مصباحاً للروائي، فالعالم ينهار، وهو يمعن في
    تكسير رتابته..

    "في قلب العالم الذي،الذي، الذي، الذي" (22)

    "شمس ديسمبر باردة، شمس ديسمبر ليست فاجرة، وشمس ديسمبر باردة،
    شمس ديسمبر باردة، وشمس ديسمبر باردة.."

    أنه يمعن، ويصمم في تكرار رهيب على خلق الجو النفسي الكابوسي الذي
    يعيشه، وقد بلغ تكرار العبارة كما تلاحظون في نفس الفقرة خمس مرات:

    "خيوطها المترهلة والمشحمة، والمزيتة كانت تتجسس على فراشي،
    علي، وأنا لم أعبأ بها عندما كانت تتجسس علي، وعلى فراشي، لم أعبأ بها تتجسس علي
    لم أعبأ بها وعلى فراشي، فراشي لم أعبأ بها، الأصوات تزعجني

    أصوات.

    أصوات.

    أصوات" (23)

    "أركض وأركض، وأركض، وأجدني في مكاني" (24)

    "فكان الموت.. الموت.. الموت.

    وكان النفي.. النفي.. النفي.

    وكان الجوع.. الجوع.. الجوع.

    وكان الحقد.. الحقد.. الحقد.

    وكان الغدر.. الغدر.. الغدر.

    وكان الغضب.. الغضب.. الغضب" (25)

    هذا المنحى الشكلي في الرواية الذي اتخذ شكل التكرار يجعلنا أمام
    حقيقة الانهيار التي تتلبس الروائي، ويلبسها هو أيضاً لنصه في محاولة منه للوصول
    بهذا الإحساس إلى المتلقي.

    ج ـ الثنائية الضدية:

    ونعني بها تلك المزاوجة المعتمدة في الجمع بين النقيضين الوجود
    والعدم، الحياة والموت، الأنا والآخر.. الواقعي بالمتخيل

    "ذلك الممدد على الفراش كان يشبهني، كنت أنا، كنا اثنين، كنت
    الميت والحي، كنت الثابت والمتحرك، كنت الغائب والحاضر، كنت الوجود والعدم"
    (26)

    إن البطل يتفرج على موته،، إنه حي وميت في نفس الوقت:

    "كانت البرودة، برودة المطر النازف، والوحدة القاتلة تسري في
    عروقي وشراييني كالموت الأزرق، كنت وحدي في التابوت الحزين.. اجتاحتني الرغبة في
    الانتحار.

    في دفن رأسي حياً" (27)

    "أركض، وأركض، وأركض، وأجدني في مكاني" (28).

    إنه يتحرك، وثابت في الوقت نفسه

    لم تكن هذه الثنائية مفرغة من الدلالة، فالتجربة في عنفوانها تجتاح
    هذه المفارقات الحياتية التي تضيق على قدر البطل.

    د ـ الفاصلة كمنحى دلالي:

    يلتجئ الروائي إلى الفواصل مختزلاً ما يمكن أن يقوله لفظاً، إمعاناً
    في رسم شكل الكابوس، وتهيئة الجو لانتشاره، وتغلغله:

    "لزوجة جسمي و، و، و، وفي، و، و، وفي، في أدغال المغارة تركتها،
    تركتها، تركتها" (29)

    لقد كان لجوء الروائي إلى عكازي حرف الواو، والفاصلة كبديل حقيقي،
    وضمني للواو، يتكئ عليه كي ينقل الحالة النفسية التي شملته إلى القارئ، وكأنها
    رسالة أرادها أن تصل إليه.

    هـ ـ التناص أو الترميز الإيحائي:

    1 ـ الإحالة المعجمية:

    يحلو للروائي أن يثبت فقرة كاملة من القاموس لشرح كلمة مثلاً:

    "الرأس يدور، والأرض تدور.

    رأس، رأسان، رؤوس

    الرأس متدلي، والرأس ما يلي الرقبة من أعلاها في الإنسان، ومن مقدمها
    في الحيوان.

    ج أ رؤس، ورؤوس، وروس، وآراس، ويطلق على الحيوان ذاته، وأكثر هذا
    الاستعمال في المواشي فيقال "أربعون رأساً من الغنم" (الرأس) أيضاً
    و"الرأس متدلي" أعلى الشيء. سيد القوم. يقال "فعله رأساً" أي
    ابتداء غير مستطرد إليه من غيره.

    "وهذا قسم برأسه "أي مستقل بنفسه" (30)

    وَ "كدت أجن (جن، جنا وجنوناً) زال عقله، أو فسد، فهو (مجنون)

    ج مجانين؟(، وأنا كدت أجن جنوناً، وكاد عقلي أن يزول أو يفسد، فأكون
    مجنوناً ج مجانين" (31).

    وهو من ناحية أخرى يمعن في الإشباع اللغوي كرسم التنوين مثلاً...

    "وأنيسة أمام أعينهم الزائغة كانت ذكرى عاريتن، شاحبتن، ذاويتن
    كالحتن، فاتنتن..." (32)

    الإحالة القرآنية:

    رغم طوباوية هذا المنحى، فيجدر بنا الإشارة إليه بعيداً عن أية
    خلفيات، فالروائي قد أباح لنفسه الغرف من كل شيء، وبطريقته:

    ".. كالحتن، فاتنتن، فويل يومئذ للمكذبين. فاعلتن/ فاعلتن/
    فاعلتن" (33)

    "النجم والشجر يسجدان، كان الإنسان... بر وبحر، ووديان، ميلاد،
    وموت،، ودوران... الظلام والضياء يتبارزان، كان البيان، ولدوا، أرضهم خصبة، نار
    ودم ودخان، كانت خصبة... عشقهم كان خصباً" (34).

    لعل هذه الفقرة فيها تناص واضح مع سورة الرحمان، مما يشير إلى تماهي
    الروائي فيها إعجاباً ببيانها.

    وـ الجمل الخاطفة:

    يلتجئ الروائي في نصه إلى توظيف الجمل القصيرة المشحونة بزخم من
    الإيحاء.

    "هذا الوجه الغريب الأشمط أعرفه" محاولة التذكر
    تعذبني"

    "حرشاوي ذبح ذاكرتي" "الكلبان السوقيان يتفجران"

    "الأحلام تتصدع" "الأحلام تنهار"

    ما يلاحظ أن البعد الإيقاعي في هاته الجمل رغم قصرها يحيلها على منحى
    ثري، فهي جمل قصيرة، لكنها مركبة في الغالب، تبقى في حقل اللفظة السينمائية
    الخاطفة خير شاهد على هلوسة البطل في عالم يجلد الزمن بسياط ثوانيه، فيحيله إلى
    ومضات...

    المدلول الغائب في (ذاكرة الجنون والانتحار):

    إن الكتابة الأدبية تبقى موصومة باستقلالية الخطاب، لأن الخطاب في حد
    ذاته يتعارض مع النوازع البراغماتية المختلفة، لأنه إن كان للفن قيمة، فهي تلك
    اللذة الكامنة داخله، والتي تتشظى لتكون آلاف اللذات، والتي تتوزع بمقادير مختلفة
    حسب طبيعة المتلقي.

    وإن كانت الكتابة الأدبية عادة تخترق جدار اللغة بواسطة شحناتها
    الدلالية، والإيحائية، فإننا نجد في (تجربة) "احميدة العياشي" محاولة
    لاختراق هذه الشحنات في حد ذاتها، لضغطها حد التفجير، فتتكئ على لغة الغموض،
    والانفلات من المعنى، والهرطقة اللفظية، فإذا الدلالة تتحول من دلالة على المعنى
    إلى دلالة على الحلم، إن لم نقل التهويم الذي تبقى دائرته غير محددة، وهلامية،
    والسؤال الذي يطرح نفسه، وبحدة:

    هل هذا النص مفرغ إلا من شكلانيته؟؟

    هذه الشكلانية التي تثير في ذهن المتلقي سلسلة من آلاف الأطياف
    الواعية واللاواعية.. فالكتابة هنا تحولت إلى فعل تفجير للبنية، وتفكيك للمدلول،
    وصبغه بالضبابية.

    إننا ندرك أن الروائي به رغبة في التحرش باللغة، وتكسيرها إذعاناً
    للتجريبية التي تلغي ما هو سائد أصلاً لتقيم منطقها، وحدودها، ومرتكزاتها
    وتهويماتها متجردة كلية مما سبق.

    في (ذاكرة الجنون والانتحار) ميل إقامة احتفالية بالشكل، وإقامة
    وشائح وصلات مع الكلمات، إذ يبرز الفعل الروائي المتكئ على الفعل اللساني، لكن
    المعنى يبقى متشظياً ومفككاً، وعائماً لا يمكن القبض على شفراته، فهو خطاب عاجز
    على البوح، والإبانة..

    إن النمطية التي سادت طويلاً تعثرت الآن، لتجد بالمقابل نوعاً من
    الكتابة الاستفزازية المتمردة على الأطر، والقوالب الجاهزة.

    لكن أكبر ما يواجه هذه الثورة الانقلابية هو هذا الخلو من المعنى،
    ومن الموضوع.. والقارئ لـ (ذاكرة الجنون والانتحار) يجد هذا النوع من
    اللاموضوعاتية (  )، والمستوى التركيبي

    "وأنيسة أمام أعينهم الزائغة، كانت ذكرى عارية، شاحبتن، ذاويتن،
    كاحلتن، فاتنتن..) برسم التنوين.

    يمكن القول أن الرواية شكلاً بلا معالم، وبلا أنوية، لأن التشويش
    الفكري، والحسي يتبدى قوي الوضوح من خلال تلك الفوضى العارمة في تشكيل الجملة،
    ورصد الأحداث الاستبطانية الماضوية، وتلك الهلوسة، وذلك الهذيان الذي انعكس على
    مسار اللغة، ومن ثم الخطاب.

    وإن كان فعل التجريب لدى الروائي (احميدة العياشي) يعمل على تكريس
    هذه القيمة المستثناة (خطاب الهذيان)، فقد استطاع أن يتقيد بهذه الدوامة، ويجعلها
    في حد ذاتها مؤشراً دلالياً واسعاً على تمكنه منها، فهذه الرواية فعلاً تكريس
    للهذيانية، والهلوسة الخطابية، ولم يتأت للروائي القفز على ما هو سائد في الرواية
    النمطية فحسب، بل إلى القفز على البنية الزمنية، فالزمن في الرواية يسير وفق
    ميكانيزمات الأنا في صراعها مع الخارج، وأحياناً تجد هذه الأنا في تعطيل هذا الزمن
    نشوتها القصوى، وهي بذلك تسقط من خلال هذه الفجوات المظلمة للهو والرغبات الدفينة
    للبطل / الراوي/ الروائي... فهذه الإسقاطات (
    Projections) هي الوجه الآخر لتفكك بنية النص، وتخلخل المعنى فيه وخلوه من
    التيماتيكية (
    The`matique).

    يرى (بلانشو): "أن الذي لا يحسن القفز لا يحسن القراءة"،
    وتجاوزاً، وقفزاً على شكلانية الرواية، يمكننا استدراج مجموعة من المعطيات:

    ـ أن (احميدة العياشي) روائي تجريبي، يخوض تجربة الكتابة التي تتكئ
    على محمولاتها، ومكوناتها دون أن يكون لهذا الفضاء الروائي مكوناً موضوعياً محدداً
    يحمل معالم مميزة في حد ذاتها.

    ـ في محاولة استرجاع زمن الطفولة يستغل الروائي زخماً من الاستعمالات
    الغريبة للغة ليعطي لها نكهتها، ويفرغها من استهلاكيتها، ونزوعها نحو النمطية، إذن
    فهي محاولة لتكسير السائد، والنمطي.

    ـ فراغ النص من المضمون، أو التخلي عن المعنى، هو في حد ذاته ترجمة
    للذات في انكسارها، ووقوفها أمام المتناقضات حائرة هائمة، متسائلة بلا جدوى وفيها
    رسم لوجه العالم المفرغ من المعنى.

    ـ إن في قفزنا فوق تضاريس الرواية يجعلنا نقرأ تفاصيلها الأخرى التي
    حاول الروائي من خلالها أن "يقدم نسقاً أدبياً جمالياً قائماً على رؤية
    حضارية متماسكة" (35) والتي لم يفلح في استدراج قيمها.

    ـ تبقى هذه الرواية على المستوى العام محاولة للتجريب على مستوى
    اللغة السردية ويبقى المعنى أو المدلول الغائب الذي نبحث عنه يترجمه (رولان بارت)
    من خلال تعريفه لمعنى النص، إذ يرى "أن معنى النص لا يكمن في تعدد تفاسيره،
    وترجماته وإنما يكمن في تعدد أنظمته، وتنوع قراءاته، وفي قدرته على الاستنساخ
    الدائري" (36)

              ورغم أن
    رواية (احميدة العياشي) هي رواية مونولوجية تعتمد علة كثافة المونولوج، والذي
    يحصرها في إطار الرؤية الأحادية، إلا أننا يمكننا قراءتها وفق المنظور (البارطي)
    بما تحمله من تعدد الأصوات، والاهتمامات.

    ـ إن ممارسة الاختلاف من خلال هذه الرواية هو مستوى آخر للقراءة،
    فالروائي تسكنه رغبة التهديم لإعادة التشكيل من جديد لعنفوان الكلمة التي تحكر في
    نصه هذا السلطة المطلقة من خلال تأسيسها لعالمها الحكائي المفرغ من المدلول
    والعائم في اللا معنى حيث يتحول الشكل إلى عالم قائم بذاته يصنع معناه الخاص به.

    نقطة النهاية:

    إن كان ولابد من نهاية لهذه المداخلة، يجب التنويه إلى كون الرواية
    قد وضعتنا أمام محاولة للظفر بالرواية الجزائرية، وهي تحمل رؤيتها داخلها، وتبني
    واقعها في ذاتها، ولا نذكر جديداً إذا ما قلنا إن جدلية (الشكل والمضمون) التي
    جاءت لتبني تقييماً ثابتاً لقيمة الأدب كفعل إنساني بالدرجة الأولى، فإن كل
    المؤشرات تستعدي علامات استفهام كثيرة.. هل هاته الرواية جاءت لتخرب هذه الجدلية،
    وتبني على أنقاضها نظريتها الجديدة، التي (تؤسس) بين قوسين دونما حاجة إلى ركائز
    لتدعيم بنائها، فالروائي نفسه يعترف في حوار له قائلاً:

    "أنا أعترف بأنه رغم استعمالي لذلك العنف من حيث محاولتي لتفكيك
    البنية الروائية السائدة، واعتمادي على نوع من الاستفزاز إلا أنني لم أستطع أن
    أقدم نسقاً أدبياً جمالياً على رؤية حضارية متماسكة، إنني أشبهها بصرخة تقترب إلى
    نوع من التمرد السلبي إلى حد ما، والذي يفتقد إلى هدوء، وعمق فلسفيين" (37)
    يبقى اعتراف الروائي خير شاهد، وأصدقه.

     

     

     

    قائمة الهوامش:

    (1): ريتا عوض، أدبنا الحديث بين الرؤيا والتعبير، المؤسسة العربية
    للدراسات والنشر 1979، الطبعة الأولى، ص 29.

    (2): إلياس الخوري، الذاكرة المفقودة، مؤسسة الأبحاث العربية، س. م.
    م 1980، الطبعة الأولى، ص 121.

    (3): آراء نقدية مختلفة.

    (4): إلياس الخوري، م ن، ص 203.

           تطور فن الرواية عبر التاريخ...

    من
    هيغل إلى بارت..

                                     

         الرواية هي احد الفنون النثرية التي تنتمي
    إلى شكل القصة . وظاهرة القصص ظهرت مع ظهور الإنسان، فهي تعبير عن حاجة ملحة إلى
    البوح ، ونقل الخبر هو صفة مشتركة بين بني الإنسان ، لكن تبقى الرواية اسمي تمظهر
    للخبر في شكله الفني المنظم .

    هنا
    يجـدر بنا التوقف لنتذكر مقولة لوكا تش "
    Lucas " الشهيرة : "
    الرواية هي الشكل الأدبي الأكثر دلالة على المجتمع البرجوازي "

           - 
    لقد استجابت الرواية لتمظهرات حياة المجتمع البرجوازي ، وصورته تصويرا
    دقيقا متلائما مع إفرازات هذا المنحى من تناقص صارخ ، واتجاه مفضوح إلى  تقنين الروابط الإنسانية ، ولهذا فالرواية تعد
    - حسب ( لوكا تش ) - النموذج الأكثر تعبيرا عن هذا المجتمع لأنه يحمل في طياته
    -  أي فن الرواية – بذرة التغيير،
    والمخالفة للإشكال الأدبية الأخرى ، رغم إن المجتمع البورجوازي – عمليا – لم يهتم
    إلا بالأشكال الأدبية القديمة كالملحمة والدراما والملهاة .....

    وهذا
    السبب الرئيس لتأخر الدراسات المتعلقة  بها
    ... فقد ثبت .

    ان
    أول الدراسات الجمالية التي اهتمت بفن الرواية كانت مع الفلسفة الكلاسيكية
    الألمانية ففي تلك الفترة فقط اعتبرت الرواية شكلا جديدا من الأشكال الفنية ، مما
    يفسر أن  المبادئ الأولى لنظرية الرواية قد
    وضعت خلال هذه الفترة غير أنها لم تتبلور بشكل واضح ومكشوف ، ومتعدد إلا خلال
    منتصف القرن التاسع عشر (19) .

     

      إذ ظهرت حينها كتابات نظرية هامة حول الرواية
    لإميل زولا وبلزاك .. غير ان هذه الكتابات لم تستجب كلية للعمق الذي تحتاجه نظرية
    الرواية إذ كانت تقتصر على نظرات آنية ، وطلبات ملحة أملتها المدرسة الطبيعية ،
    ومقوماتها التي كان ينتمي إليها هؤلاء .

    2- هيغــل وفــن الــروايــــــة :

                 من أبرز الآراء التي أفرزتها
    النظــرية الكلاسيكيـة الألمـانيــة حــول الروايـة هـو رأي ( هيغل ) القائل إن
    الرواية هي عبارة عن ملحمة بورجوازية إن مقولة " هيغل " تنطلق من كون
    الرواية هي مظهر ففي متطور بديل للملحمة ، فهي تحمل في جوفها - أي الرواية – ملامح
    التعديل والتطوير ، والتمييز الذي أتى به العصرا لبرجوازي مع ماتحمله من جهة اخرى
    من افرازات ، وخصائص جمالية لا تبتعد كثيرا عن الخصائص الجمالية التي تنطوي عليها
    الملحمة ان مايمكن استخلاصه من كل هذا هو طابع التميز ، والخصوصية التي انفردت بها
    الرواية عند بقية الاشكال الاخرى وفي هذا الاطار فان ( هيغل ) يفرد الى هذا الجانب
    – جانب الخصوصية اهتماما خاصا ، فهو ينطلق من مبدأ المقابلة التاريخية التي يقوم
    عليها التطور العام للفلسفة الكلاسيكية منذ عهد تشيللردون ان ينسى في مقدمته تلك النظرة العدائية التي تميز نظرة
    المجتمع البرجوازي للشعر ، ولهذا فقد اعتمد هيغل على هذه المقابلة التاريخية
    ليستخلص عناصر نظرية الرواية . فالتفت الى ذلك التعارض والتنافر القائم بين
    عصرالشعر ، وعصر النشر ، ولهذا فهو يرى ان الملحمة هي تعبير عن مرحلة بدائية من
    التطور الانساني حيث تمجيد البطل ، فهي وليدة عصر بطولي عكست ملاحم هوميروس احدى
    مظاهره ، وغالبا ما تتسم هذه المرحلة من التطور الانساني بالسذاجة والعفوية في
    التعاطي مع الأشياء .

    في حين ان النثر في عصر التطور البورجوازي يقوم اساسا على فكرة الغاء
    العفوية ، وعصر البطولات المكرسة لنوع من الكلية التي تلغي مايحيط بها ، فعند (
    هوميروس ) مثلا " الطبيعة البشرية النبيلة المتنوعة ، والمتعددة الأشكال بثت
    غناها كله في فرد واحد . وكذلك الشأن مع جل الشخصيات او ليسيس ، ديوميدس  اجاكسس اغا ممنون . هيكتور اندروماك ، .. فكل
    واحد منهم عالم قائم في ذاته ، وكل فرد منهم هو انسان مكتمل وليس تجريدا "

    رمزيا لسمة منفردة من سمات الطبع والشخصية في حين ان النثر متمثلا في
    الرواية كان انفتاحا على العالم بكل تناقضاته ، وتشاكلاته ولدفع فكرته الى الأمام
    حاول هيغل ان يتصور بديلا اخر للرومانتيكية تمثل في فكرة التوافق مع الواقع . هذا
    التوافق الذي يبدو الحتمية التي يجب ان تستند عليها الرواية وفي تقص اخر نجد هناك
    كلا من ماركس وانجلز اللذان حاولا ابراز وجهة نظرهما في هذا المجال ، فقد استطاعا
    ان برجعا سمة التناقص التي تميز الرواية في تعاطيها مع الاحداث الى اسباب اقتصادية
    بحتة ، لهذا فان العثور على اساس منطقي يقوم على مفهوم المادية الجدلية للشكل
    الروائي من حيث هي عبارة عن ( ملحمة بورجوازية ) كما قال – هيغل – انما لايمكن
    ايجاد توازن حقيقي لها الا من خلال عمق المعرفة المادية الاقتصادية التي هي السبب
    الرئيسي لهذه التناقضات . في حين ان هيغل يرجع ذلك الى نوع من انواع التوفيق الذي
    يلتجيء اليه عادة .

       مما يلاحظ – فيما سبق – ان
    الجمالية الكلاسيكية الالمانية لم تستطع ان تتوصل الى نظرية جامعة متكاملة عن فن
    الرواية لكن لا احد ينكر فضلها في وضع الأسس الأولى والمبادئ  الأساسية لنظرية الرواية ، فإليها يعود الفضل
    في اكتشاف ذلك التشابه الكبير بين الملحمةو الرواية ، من ثمةالعمل على بلورة اهم
    الخصائص المشتركة بين اللونين ، وهذا ما ذهب اليه كل من غوته ، وشيللر ، وشيلنغ ،
    وهيغل ، في اعتبار الرواية الكبيرة الحجم هي ملحمة بشكل ،أو بآخر ، دون تعد بالطبع
    على ضرورة التفريق التاريخي بين الملحمة والرواية باعتبار الرواية بشهادة النقاد
    الشكل الأكثر تطورا ، والابلغ حداثة من الملحمة ، ولعل في ما قاله غوته خير دليل
    على تلك التفرقة ، يقول غوته : "

           يتعلق الأمر في
    الرواية على الخصوص بإبراز حالات الغفل والأحداث بينما يختص في الدراما بتقديم
    الطبائع  والأعمال ، وينبغي على الرواية ان
    تتقدم ببطء ان تعمل عواطف البطل الرئيسي على ابطاء مسيرة الكل نحو النتيجة "
    ينبغي على بطل الرواية ان يكون سلبية ، او على الأقل غير نشط على أعلى مستوى .

        وعلى هذه الطريقة التي
    صاغها جوته يمكننا المقول أن الفلسفة الكلاسيكية قد توصلت نوعا ماالى تحديد الفرق
    بين الملحمة والرواية ، ويلاحظ ذلك بالتأكيد في " دون جوان" لبيرون ،
    فالمعلوم أن بييرون اتبع في " دون جوان " (النطم الشعري ) لكنه كتب
    رواية ، ولم يشأ نظم ملحمة ، فهي تحكي حياة البطل منذ بداية القصة ، وهي خاصية من
    خصائص الشكل الروائي .

        لقد أسهب هيغل في كتابة (
    فينو مينولوجيا الروح ) في تصوير ذلك التضاد بين المرحلة البطولية ، والمرحلة
    النثرية البرجوازية ورغم تلك الإنشائية التي اتسم بها هذا العمل ، فإن السبب
    الرئيس في ذلك هو رغبته في استنفاذ النقص الذي يعيق الوصول إلى تصوير دقيق
    لتناقضات المجتمع البورجوازي .

          لكن مايهمنا وسط كل ذلك
    الخضم من المقولات ، والتأويلات هو انه كان بداية لظهور فن عظيم اسمه الرواية ، من
    خلال تلك الصراعات الإيديولوجية الحادة مابين البورجوازية والإقطاعية وقد شغل هذا
    الفن نفسه بالإطلالة على الطبقات الدنيا ، والمهمشة التي لم تكن الملحمة لتعني بها
    بشكل كاف ، وفي هذا الصدد يقول هايني " لقد خلق سرفانتس الرواية الحديثة
    بإدخاله في رواية الفروسية الوصف الصادق للطبقات الدنيا ، وضمنها حياة الشعب
    ."

    1 – لقد قرب " رابلية "
    ، "وسيرفاتش " عالم الفروسية والبطولة من الطبقات الدنيا ، فكانا
    المعبران عن انشغالاتها وطموحاتها .

    فيما يعودان بحق مع غيرهما ممن مارسوا هذا الفن في البداية من كبار
    مؤسسي الرواية الحديثة بحيث استطاعا أن يخلصاها من الإسفاف والابتذال والجمود الذي
    كان السمةالغالية على ماقبل التأسيس .

    فقد بدأت الرواية مع هؤلاء تنزع عن الآلهة ، والابطال المثالويين تلك
    الأقنعة الزائفة ، وأعادتهم الى مستوياتهم الحقيقة .وهكذا استمرت عملية نزع
    الاقنعة من خلال اعمال كل من بلزاك
    balzac وكافكا kafka وبيكيتbeckett  
    وغيرهم...

    فقد جاءت الرواية لتلغي فكرة الوساطة بين الالهة والبشر ، وتكرس فكرة
    تدخل في حتمية التعبير عن مواقف وعلاقات ، وخصوصيات وتفاصيل ، وعلى هذا المنوال
    جاءت تلك الاشارات الاولى مجسدة في كل من " جهان دى سيناترا (
    PETIT JEHAN DE SANTRE)  ( ،
    وسانشوبانسا
    (S/ PANCA ) ، وشخصية البيكاريسك ، وراسينياك (RASTIGNAC
    )
    ، وجوليان سوريل ( JUlIEN SOREL ) ، واما بوفاري ، وزولا ، وهنري جمس ، وبروست .

    كل هؤلاء الذين اكدوا القطيعة مع الوهمي ، والمبالغ ، ليدخلو أعمالهم
    مدا من الوقائعية ، وكانت " الدليل على ان الكتابة الرواية موازية لطرق كتابة
    التاريخ المتتالية وبالأخص لفلسفات التاريخ المتتالية "

    3- ميشال زيرافا وفن الرواية :

       في تعريفه للرواية يقول
    "مشال زيرافا " ان الرواية في مستوى أول نوع سردي نثري .

    وفي مستوى ثان يكون هذا القصص حكاية خيالية وفي الوقت نفسه خيال ذو
    طابع " تاريخي واخيرا فان الرواية فن في أجزائها كما في كلها وهي تبرز في شكل
    خطاب موجه ليحدث مفعولا "

    جماليا " بفضل استعمال بعض المحسنات ان المتمعن في التعريف يدرك
    النزوع التقني لهذا التعريف يمكن تلخيصه على الشكل التالي :

     

     

     

     

    الرواية

                         

            نوع سردي نثري                   حكاية خيالية        ذات طابع تاريخي

     

                       فــــــــن                             خطـــــــاب                                                                      

                       المفعول الجمالي                                                 

                                                    
                         المحسنــــات      

        ان الرواية في نظرة هي فعل تراكمي من القرن
    الثاني عشر الى القرن السابع عشر ، فهي قد نمت على ضفاف انواع كثيرة ( ملحمة –  شعر غنائي …أسطورة ..) بحيث انتشلت بواسطة
    ابطالها مجموعة من القيم التي كانت علوية غالبا ... وما يميز الرواية هو
    هروبها عن النظام فهي لا تحدد سلفا وفق خطة مرسومة كالاسطورة والملحمة مثلا ،  ترسم مجراها بنفسها ، وتشق طريقها بين حجارة
    الوادي البيضاء ، تحفرفي خفة تارة ،وفي عمق 
    أخرى الرمال الممتدة عبر النهر ، فظهر مايسمى الرواية النهر (
    roman fleuve )،وأصل التسمية  من جهة
    أخرى  هو القدرة على التفتيت ،ثم الإضافة ،
    ففعل النهر في الرمال هو الإيغال و التفتيت ،ثم 
    التجميع بإضافة  جزيئات جديدة

        ان الرواية – حسب ميشال زيرافا –  تقع  في
    رافـد كل الأنواع تأخذ منها ما يغني مسارها ؛ ويدعم تواجدها ،ولذا فقدراحت ترسم
    مسارها ببطء ، وبثقة ،فبدأت في شكل سردي بسيط وانتهت إلى شكل أدبي مميز ،ومليء
    بالإثــارة

      لقـد نمت الرواية على الهامش ،حيث حققت وجودها
    من خلال عزلتها .وتمرست كينونتها  الاولى
    التى اردفت اصالتها عبر هذا المحك المبهم .

    لقد
    بدا استسلام الرواية لقدرها الوجودي مع 
    بوالو
    Bouleau  عام 1670 في كتاب ’حوار ابطال الرواية ’ ثم
    تحديد ا وبعد سنة من ظهور الكتاب ،يظهر اسم اخر هو الاب هوي
    HUET في كتابه رسالة .دراسة حول
    اصل الروايات  بحيث يطرح جملة من التصورات
    تتعلق بمباديء اولى في نظرية الرواية فيقوم بعملية مقارنة بين اشكال الرواية ومضا
    مينها و القصائد الملحمية التي نشأت الرواية على ضفافها .

        وفي القرن الثامن عشر برز اهتمام واضح
    بالرواية من خلال ذلك الاطراء الموجه في مدح رتشارد سون لديدرو
    DIDEROT في
    منتصف القرن الثامن عشر،وفي كتاب اخرفي نفس المجال فكرة عن الروايات"
    للماركيز دي ساد
    MARQUIS DE SADE  لقد بدا تحسس المصطلح " روائي " من
    خلال مجموع تلك الأعمال ، ولو شئنا الاقتراب من هذا المصطلح عبر ملهاة "
    الروائيان 1894 لإدمون روستان
    E.
    Rostan 
    لاكتشفنا
    حلقة الاهتمام التي يدور حولها هذان البطلان ، فهما روائيان يرفضان الواقع
    الاجتماعي البورجوازي الذي يكرس حتمية ضيقة هي الزواج بطرق سطحية ، ولهذا فلم يكن
    امامهما بد من اختراع  مجموعة من السبل ،
    وجملة من المغامرات لينعما بزواج عميق مفعم بروح الدهشة ، وهذا ما تعتمده الرواية
    في تعاملها مع أحداث الواقع لتجعلها اكثر قبولا على الصعيد الفني .

    ويبقى
    تحديد مصطلح الرواية يدور في فلك الخطاب ، انها " خطاب لاننا يجب ان نكونها
    حسب ادراك شامل بتقنيات خاصة ، والنص الروائي يبدأ وينمو وينتهي : يجب ان يكون له
    مدخل ونهاية "

     ان القول بالمدخل والنهاية لا ينفي حتمية الجريان
    ، حينما نتذكر ان هذه الصفة تتعلق بلب الرواية : أحداثها وملاباستها ...
    .....ان
    للرواية اشكال متعددة ، ولا نتحصر في قالب معين 
    فمنذ بلزاك أي في بداية القرن التاسع عشر ظهر تجاوزا للحتميات التي وضعت
    سلفا للرواية فلم تعد خطابا بحتا بالمفهوم الآلي للخطاب ، فهنالك روايات اعتمدت
    الرسائل المتبادلة

    ( العلاقات الخطرة )
    لشودر لوس دي لكوس
    ( choder los de lacloc ) وهنالك من يعتمد اساليب اخرى مختلفة .. لكن هنالك سؤال وجيه طرحه
    مشال زيرافا عن العلاقات الموجودة بين الوقائع .

         الاجتماعية والثقافية التي ترتكز عليها الرواية
    من جهةوبين جماليات الكتابة واساليبها التي اختارها الكاتب ، واستعملها بحيث تجعل
    القارئ يخرج بانطباع جمالي ........

         ان هذا السؤال حسبه يفضى الى سؤال اكثر
    تعقيدا ، واكثر أهمية حول طبيعة من يدرس فن الرواية . هل من المحتم ان يكون عالم
    اجتماع او مؤرخ ، او عالم نفس ، اقتصاد ، ثم عالم جمال. ان افضل طريقة هي التي
    اعتمدها في جل ابحاثه ، فمقارباته – عادة – ترتكز على " فكرة ان الرواية
    بالرغم من اشكالها التي لاتحصى تظهر على شكل كتاب قاعدته العريضة هي ظاهرة السرد
    التاريخي الخيالي

         لقد اهمل العديد من المنظرين مسالة الجمالية
    ، أي مايتعلق بالشكل ، وركزوا على المضمون دون النظر الى الرواية ( ككل نصي )
    كدائرة متتابعة النقاط .

       ان تركيز هؤلاء على التراكم المعرفي
    الموضوعاتي والوقائعي والاخلاقي يهمل الجانب الاكثر اهمية في ظاهرة الرواية  . انه ولا شك في ذلك توجد تقابلات مهمة بين
    الكثير من الثنائيات يقتضي احدها اسمرار الاخرى. ان وضع الرواية في اطر محددة يقضي
    على الكثير من انفتاحها .

        صحيح ان البنيات
    القصصية كالروايات البيكارسيك ، والروايات التاريخية ، والبوليسية والتربوية هي
    ترجمة صادقة لنوازع اجتماعية ، وثقافية . لكن بالمقابل هناك بنيات اخرى جادة
    كالروايات النفسية ، والذاتية والواقعية ، والعاطفية ، والريفية والجهوية ، رغم
    جديتها فإنها تقود – لامحالة – الى الاغراق في نوع من اللبس والخلط .

    فوصف
    روايات بلزاك بالاجتماعية لا ينفي تشبعها بالنفساني والعاطفي .. والعكس صحيح مع
    بروست مثلا فوصف أعماله بالنفسانية لاينفي تموضعها في اشكال اخرى .

    لكن
    نجد هناك تمايزات ، فعلم النفس مثلا يطغى على أعمال بيار لوتي
    P . LOTI . إن العديد من المؤلفين يؤكون على أهمية أسلوب الكتابة ، لان
    موضوع الرواية غبر مهم ، ففي الغالب يكون مفروضا من المجتمع او من اتجاهات ثقافية
    معينة . وهذا ماعبر عنه ابيل شوفالي .
    ABEL
    CHOvALY
    عام 1927 بقول ان الرواية " قصة نثرية ذات
    امتداد معين " .

    فقد
    استطاع ( شوفالي ) التوصل الى لب المشكلة ، أي على مستوى النص .

     لقد
    اثيرت خصومة طويلة المدى في فرنسا في نهاية القرن السابع عشر ، واستمرت حتى الثلث
    الأخير من القرن الثامن عشر ، وكان من اهم نتائج هذه الخصومة الاعتراف بالرواية
    كنوع خاص ، وتدور هذه الخصومة حول القيمة الاخلاقية للرواية ، وفي هذا الصدد طرح
    في مدخل ( هيلويز الجديدة 1925 ) لدانيا مورنية (
    D.
    MORNEI
    (  اشكال يتعلق بكون الاسطورة والخيال الموضوعان
    عادة على اسس مثالية ان كان اكثر اخلاقية من الرواية التي تعتمد الواقعية .

    ان
    هوية
    ( HUET ) هو ايضا في تعريفه للرواية انها " قصة مغامرات موهمة مكتوبة
    نثرا بفنية وتعلم القارئ"    قد اثار
    زوبعة من الغموض ، الابهام ، فالفن الروائي في نظره ممتع ومفيد في الان نفسه

    لقد
    سعت الواقعية دوما إلى نبذ كل ما هو معيق للأخلاقيات لهذا فهي توميء  الى المدافعين عن
    المد الاسطوري بأصابع الاتهام ، فهم في نظرها يلقون بالقارئ في بحر من الظلمات الا
    أخلاقية وتدعهم يسبحون في الوهم .

    وفي الرواية الواقعية انعكاس حقيقي للظلم الاجتماعي ، ففيها الوصف
    يأتي واقعيا وحقيقيا  كما نجد لدى ( ديدرو –
    ماريفو – بريفو ) في ( جولي او هيلويز الجديدة 1761 م ) كما نجد نفس  الامر لدى روسو في روايته الترسلية ، اذا تتناول
    احداثا حقيقية معاشة في عالم واقعي حقيقي .
      ان تناول العالم الواقعي ، والتعبير عنه هو في
    الحقيقة نوع من الايد يولجية ،و الموفق تجاه الاشياء فهناك تمجيد لمسيرة واحدة
    باتجاه واحد تقوده الطبيعة والمجتمع والتاريخ معا للوصول الى الخير والسعادة
    والنور .

    فهو
    يحكي عن رغبة فرد حينما تصطدم بنظام اجتماعي ما فتنبهها ، فسافت بويجد رغبته في
    الحب تتصاعد في مجتمع تسوده روح القانون ، ونفس الأمر مع جولي او هيلويز الجديدة
    التي تمثل في عمقها رؤية جديدة للعالم ، وكذلك الأمر مع الروايات الأخرى التي
    تتبنى النظرة الواقعية كالحرب والسلام مثلا حينما اظهر تولستوي صراعا حادا بين
    وجهتي نظر تسود العالم حول جدلية مفزعة هي الحرب من جهة والسلم من جهة ثانية .

    ان
    رؤية العالم التي تتبناها الرواية هي من أهم البنيات التي ترتكز عليها الرواية ،
    فالعلاقة هنا مؤكدة بين البنية والدلالة بين الشكل والمضمون. ان التفكير في مسالة
    البنية والدلالة يتيح لنا الاقتراب من مسالة الانتقال من الوضع الاسطوري الى الوضع
    الروائي سواء على مستوى تموقعاتها او على مستوى الاجراء وبالتالي الوصول الى تلمس
    البعد الجمالي للرواية .

    4- من بناء الأسطورة الى بناء الرواية : 

    لا
    شك اننا تذكرنا محاولات كلود ليفي ستروس في تطبيقه للبنيوية على عدد كبير من القصص
    الأسطورية الهندية أمريكية الجنوبية ثم الشمالية ) في مجلداته الأربعة
    للأساطير   (النيئ والمطبوخ من العسل إلى
    الرماد – أصل عادات الأكل – الرجل العادي 1964- 1971 ) .

        لقد التفت ( كلود ليفي ستروس ) إلى قضية
    المجموعة ضد الواحد ، فقصة أسطورية واحدة لاتعني شيئا بالنسبة لنا غير أحداث خارقة
    ، ومغامرات ومهاترات بدائية لكن بمقارنة هذه القصة بغيرها من القصص الأسطورية سوف
    نكتشف بناء متكاملا تتحكم في تحولاته مجموعة من القوانين يبدو أنها نفسها التي
    تتحكم في التنظيم الاجتماعي لشعب ما فالقصص الأسطورية في مجموعها تشبه التقسيمات
    الخلوية في تناظمها وتناضدها ، وتتابعها ، وتفارقها المنتظم ، فهي من وجهة ما
    تعبير عن طبيعة تناظم المجتمع ، وبالتالي الكون في علائق تشمل ثنائية الإنسان –
    الآلهة وثنائية الطبيعة وما وراء الطبيعة ( الميتافيزيقا ) ..  إن هذا التجانس ، والتلاؤم وحدهما كفيلان
    بتبيين طبيعة البناء الأسطوري .               

           لقد قارن ليفي ستروس بين فئتين من
    الأساطير الهندية ، فاكتشف أن قصص الفئة الأولى تتعلق بالإجرام السماوية بأصل
    الكواكب والنجوم والنيازك ، فهي زمنيا ذات مدى طويل (السنين والفصول ) في حين أن
    قصص الفئة الثانية تتعلق بالشمس ، القمر ، أي بمدد قصيرة مثل تعاقب الليل والنهار
    وعلى ضوء ذلك وجد أن قصص " المدد الطويلة " تحتوي على موضوعات قليلة ،
    فجاء تكوينها متجانسا ، بينما جاءت أساطير المدد القصيرة شاسعة  شساعة   
    حرية تحيلها مما أسقطها في العشوائية ، وعدم الانتظام .

       إن اختراع فصول جديدة دون توقف سمة تحتفظ بها
    الرواية حاليا ، لهذا من الطبيعي أن نجد توافقا بين أساطير الفئة الثانية المتميزة
    بالوفرة مع طبيعة الرواية المتميزة بصفة الجريان . خاصة في القرن التاسع عشر حيث
    ظهرت الروايات المسلسلة .

        إن في رحم الرواية الحديثة ركاما من الأساطير
    الماضية ، فالروائي هو في محاولة دائمة لإيجاد ذلك التجانس والوفاق بينه وبين نفسه
    ، وبين البشر في علاقاتهم المتجانسة ، وبين ألما وراء .

            لقد "لاحظ ليفي ستروس ان الرواية من
    خلال حياتها تتعب في البحث عن بنيات ، فيعد ان سقطت في العقدة ، فانها فقدت العقدة
    نفسها ومازالت هكذا علامة على وجود انساني يتناقص تجانسه يوما بعد يوم "

     

     

     

     

     

     

    5-
    بين لوكاتش وستروس :

        ان عقد 
    هذه الموازنة يرتكز اساسا من انطلاقهما من الأسطوري لاعطاء معنى للبناء
    الروائي معتمدين على النظام الاغريقي الناتج عن حضارة كانت تشكل في العصر الوسيط
    احد أقوى انتاجات الانسانية .

          فجورج لوكاتش يرى في ( نظرية الرواية 1920
    ) ان النظام الاغريقي يمثل طفولة العالم ، فالملحمة الاغريقية كانت تمجيدا لبطل
    كاريزماني منسجما وثابتا وسيما غير قابل للتغيير . فصفة الثبات هي اهم صفة تميزه ،
    وهو يتشاكل معطريقة
    المعمار اليوناني فالأثار اليونانية تدل دلالة قاطعة على هذا النوع من الانسجام
    الجمالي الذي يترجم رقيا أخلاقيا  ومدنيا
    ودينيا .. ان الهيلينية بهذا المفهوم تقدم صورة مشعة للانسانية في اسمى تحضرها
    جعلها قبلة وهاجسا للانسان الحديث ابتداء من القرن السادس عشر ، فهي الحنة
    المفقودة التي عليه البحث عنهاوهو ما ترجمته الرواية الحديثة ، فالرغبة في الايجاد
    هي جوهر الرواية الحديثة حسب لوكاتش .

    لكن هذا الجوهر الذي يميز الرواية يتعارض من جهة اخرى مع رغبة هذا
    البطل ان يكون ارضيا وعضوا فاعلا في المجتمع ، منسجما مع تطلعاته لكن يصطدم هذا
    البطل بتطلعات مادية لمجتمع غربي يتحكم في اقتصاد 
    السوق ، والربح السريع .

        لهذا جاءت محاولة التوفيق
    بين عالمين متناقضين ، عالم المثال ، وعالم الواقع من خلال شخصية سرفانتس التي
    مزجت بين جد هوو قود عالم المثل ، وبين هزل هو موفق ايديولوجي من عالم مادي
    لايتماشى مع تطلعات الأبطال .

        كما نجد ان شخصيات
    تولستوى ، وستاندال اكثر وعيا بمجتمع همه الوحيد هو جمع المال  واقتناص الفرص المادية ولا يعني هذا بالضرورة
    الاستسلام للوضع ، بل تعالج هذه الشخصيات غالبا تناقضاتها بالموت ، او الانتحار ،
    او الهروب .

    ان هذا القدر المظلم للشخصيات الروائية تكمن علته في محاولة الرواية
    خلق شخصيات تاريخية تحاول تبرير حقيقة غير تاريخية وهذا افراز واضح لمجتمع وحضارة
    مسؤولين عن فساد النظام الانساني الهرمي .

            لقد كان تحليل ليفي
    ستروس اكثر الحاحا فيما يتعلق بتكوين الرواية اذا استطاع ان يبين بوضوح ظاهرة
    تحويل الترتيب الاسطوري بفعل الرجوع الى الوراء الى خطوط قصصية اولى ساهمت في بناء
    الرواية ، اما لوكاتش وبنظرته الماركسية استطاع ان يكون موضوعيا في دراسته
    لراويات  عدة في القرن التاسع عشر ،
    فالرواية في نظرة كانت تسعى الى انقاذ نفسها عن طريق تهديم الاسطورة .

       ان هذه  النظرة هي موحدة لاصل الرواية باعتبارها مولودة
    من رحم الاسطورة .. فاباء الرواية الحديثة هم بروت
    , BRUTورواية  الكسندر ، ورواية
    ايناس
    ENEAS ورواية ثيبس
    (طيبة )
    Thébes ورواية
    طراودة
    TRoix .

    فلم تكن هذه الروايات السالفة الذكر تحمل قطيعة كبرى مع الاسطورة ،
    وانما تحمل محتوياتها ، وبعض اشكالها مع ابراز ابطال محدثين ، واقوال ، وأفعال ،
    وايماءات من اناس من الحاشية الملكية ، او من رجال الدين ، او من النبلاء .

    وفي هذا الصدد " فان الملك هنري الثالث كان راضيا حينما رأى
    رواية انياس ، ورواية طروادة تقدمانه تارخيا كحفيد لاينيه (
    ENEE) الذي اصبح من وقتها الجد المشترك للفرنسيين ،
    والنورمان ، والبروتون .

            لقد انفردت الرواية
    بمسعى التكييف فهي تكيف  ابطالا منتهين ،
    وتهبهم حياة جديدة عن طريق الاستمرار في شخصيات حديثة ، فهي تعطي لابطال مستخرجين
    من الملحمة مظاهر افراد معاصرين ( سلوكا ، وإحساسا ، ولغة ) .

      لقد عرض دوميزيل Dumezil في كتابة ( من الاساطورة الى الرواية 1970 )
    كيفية تعرض قصيد ملحمي اسطوري اسكندنافي الأصل الى التحوير الى نثر فتحول من ملحمة
    الى رواية ، وهذا لكون السرد اصبح غاية في ذاته ، وهو مااشار اليه ليفي ستروس فيما
    سبق ذكره    ان استخلاص الدرس الحاضر من
    الأحداث الماضية هي خاصية انفردت بها الرواية .

        لكن المهم الاشارة الى تمايز بين الاسطورة
    والرواية رغم استنادهما الى الخيال لكن الرواية تستند الى الخيال بوعي ، والأساطير
    ثمار عمل جماعي ، أو الذاكرة الجمعية في حين ان الرواية لها مؤلف معين ، ومعروف .

       ان الكتابة الروائية هي
    كتابة متميزة بدء بقصة البيكاريسك ( قصص الشطار والأفاكين ) في اوربا ، وهو الأمر
    نفسه الذي نجده في قصة ( على حافة الماء ) في الصين وذلك في نهاية العهد المغولي ،
    وبطلها قاطع طريق ، ولكن على طريقة عروة بن الورد عند الغرب ، وهي روايات تعبر عن
    وضع اجتماعي سيئ واستمر الامر في روايات القرن السابع عشر ، وروايات مدام لافاييت
    فهي تعبر عن تازم العلاقة التي تربط الشعب مع طبقة البلاط. ان " بهذه العلاقة
    بين التميز والتفرد تضمن الرواية احدى وظائفها الأكثر خصوصية ، وهي ما يميزها
    جذريا عن الأسطورة والملحمة ، أي السماح للقارئ بان يتعرف على نفسه في الشخصية او
    ان يطعن فيها "

    أدب الرسائل في العصر الحديث

                                                                              

                       مراسلات محمود
    درويش وسميح القاسم أنموذجا

     

     

    د/ نزيهة زاغـــــــز

     

     

        أدب
    المراسلات أو الرسائل هو فن من الفنون النثرية الذي عرفه العرب منذ القدم .فكثير
    ما كانت تشكّل دواوين ، أي( وزارات) خاصة بهذا الفن ، ويجلب لها أبرع الكتّاب،
    وأجودهم تعبيرا.

     
    إنّ ديوان الرسائل قديما كان بمثابة وزارة الإعلام والاتّصال حاليا ، ورئيس
    الديوان عادة هو الناطق الرسمي باسم الحكومة.

     ولقد تطور فنّ الرسائل ليخرج عن نطاق السياسي
    ليدخل في الإطار الإخواني أو ما يسمى بــ (الإخوانيات)، ليتبادل الكتاب والأدباء
    رسائل تعدّ دررا في قلادة الأدب العربي.

     

     
    وإن كان الزمن قد باعد بيننا وبين ذاك العهد من جهة ، وفن المراسلات لم يعد
    يحظى في الوقت الحالي بنفس المكانة التي حظيت بها الفنون الأحرى، إلاّ أنّ كتب
    التاريخ احتفظت لنا بالكثير من المراسلات بين الأدباء ، وقد كان أشهرها على
    الإطلاق في العصر الحديث مراسلات الأديبة مي زيادة ،وجبران خليل جبران من جهة ،
    وبينها وبين العقاد والرافعي ، وآخرين من جهة ثانية.

      
    كما احتفظ لنا تاريخ الأدب برسائل متبادلة بين شاعرين فلسطينيين من أبرز
    شعراء المقاومة ، وهما الشاعر الراحل محمود درويش ، والشاعر سميح القاسم . وقد
    جمعت هاته الرسائل في كتاب يحمل عنوان ( الرسائل / محمود درويش وسميح القاسم ).عن
    منشورات دار العودة –بيروت.وقدّم لهذه الرسائل إميل حبيبي الروائي الفلسطيني
    المعروف صاحب أشهر رواية ، وهي المتشائل.

     
    يضمّ الكتاب بين دفتيه ثلاث حزم من الرسائل ،والقصائد المتبادلة بين
    الشاعرين منذ فتوتهما الشعرية ، والزمنية.

     
    كان التصدير بقصيدة :- تغريبة ، مهداة إلى محمود درويش كتبها الشاعر
    سميح القاسم ، وهي من ضمن الرسائل المتبادلة والمدرجة طيّ الكتاب ، والتي يبدؤها
    بقوله:-

     

            لبيروت وجهان

          وجـــــــه لحيفا

         ونحن صديقان

         سجنا ومنفى…1

     

    ثمّ تليها قصيدة (أسميك نرجسة حول قلبي). كتبها محمود درويش ،
    وبعثها إلى صديقه الشاعر سميح القاسم، ويبدؤها بقوله:-

     

         دوائر حول الدوائر، لو كان قلبي
    معك

        قطعت مزيدا من البحر ، ماذا
    أصاب الفراش

        وما صنع النبع بالفتيات
    الصغيرات ، ماذا دهانا ؟

        لندخل هذا العناق
    السراب..العناق السراب السراب

        ونحن على مشهد لا يكرر إلاّ
    حضور الغياب…
    2

     

     

    ثمّ تأتي الحزمة الثانية التي تتكون من تسع وعشرين رسالة مؤرخة ما بين سنتي
    1986/1987 ، وفيها إقرار مبدئي من قبل درويش في الرسالة الأولى بالتقصير ، وشكوى
    من الظروف الحياتية ، فيقول :-

      "عزيزي سميح..

     ما قيمة أن يتبادل شاعران الرسائل؟

    لقد اتّفقنا على هذه الفكرة منذ عامين في مدينة استكهولم الباردة ، وها أنا
    ذا أعترف بتقصيري، لأني محروم من متعة التخطيط لسبعة أيام القادمة ..فأنا مخطوف
    دائما إلى لامكان آخر.."
    3

     

    وفيها إقرار خفي أيضا أنّ هذه الرسائل لا تقول كلّ شيء ، ولا تكشف إلاّ
    عمّا يريدان كشفه للآخر ؛إذ يقول محمود درويش :-

     " لن نخدع أحدا ، وسنقلب
    التقاليد ، فمن عادة الناشرين ،أو الورثة أن يجمعوا الرسائل المكتوبة في كتاب ،
    ولكننا هنا نصمّم الكتاب ، ونضع له الرسائل . لعبتنا مكشوفة .سنعلق سيرتنا على
    السطوح، أو نواري الخجل من كتابة المذكرات بكتابتها في رسائل..

    انتبه جيّدا لن تستطيع قول ما لا يقال ، فنحن مطالبان بالعبوس، بالصدق
    والإخفاء ، ومراقبتهما في آن .. مطالبان بألاّ نشوّه صورة نمطية أعدتها لنا
    المخيّلة العامة ..ومطالبان بإجراء ، أو تعديل ما على طبيعة أدب الرسائل ، أبرزه
    استبعاد وجوه الشهود ، وجمالية الضعف الإنساني.."
    4

     

       ولعلنا نلحظ تلك الرقابة الذاتية
    التي سيمارسها الشاعران ، خاصة وأنّهما يبرمجان لنشر رسائلهما.

       إنّ رسائل الأدباء تنشر عادة بعد
    وفاتهم، وكثيرا ما كانت هذه الرسائل تثير ضجّة كبيرة بعد نشرها ، كما حدث مع غادة
    السمّان حينما نشرت الرسائل التي تبادلتها مع غسّان كنفاني المغتال من قبل
    الموساد.

     إذن القاريء سوف يتمركز على ضفاف
    الكتابة ، وسينفتح على رغبة استكشاف الداخل، لكن هذه الرغبة ستصطدم حتما برغبة
    الهدم والبناء التي يقوم بها الشاعران مع سبق الإصرار ، والترصد.

      إنّ حسّ الرقابة الحاد لدى محمود
    درويش لا يجد له صدى ، واستجابة كبيرة لدى سميح القاسم خاصة في عبارته :-

    " نحن مطالبان بألاّ نشوّه صورة نمطية أعدّتها المخيّلة العامة .." فيردّ عليه بالقول :-

    " هكذا تقول في رسالتك ، هديتك الرائعة لي في يوم ميلادي المروّع ، لا
    بأس عليك يا أخي الحبيب .فهناك من هم أقدر منّا على تشويه صورتنا النمطيّة هذه
    .أمّا نحن ، فما علينا إلاّ أن نرمم المخيّلة العامة ."
    5

     

     

      وأمّا الحزمة الثالثة فتتكوّن من
    عشر رسائل(10).، ويمكننا على ضوء ذلك تقسيم هذه الرسائل إلى عدّة محاور:-

    1/ رسائل المنفى.

    2/ رسائل السخط والعار.

    3/ رسائل الحب والأمل.

     

     فمن رسائل المنفى ، نجد الرسالة
    الأولى المرسلة إلى سميح القاسم ، والمكتوبة بباريس بتاريخ1986 ، والتي يشكو فيها
    ( محمود درويش) غربته ومنفاه ، فيقول:-

     

    "قريبا ستّ عشرة سنة.ستّ عشرة سنة كافية لأن تتحوّل الحشرات الصغيرة
    على جراح أيّوب إلى طائرات نفّاثة.ستّ عشرة سنة تكفي لأصرّخ .. بدّي أعود،، بدّي
    أعود.. كافية لأتلاشى في الأغنية حتّى النصر أو القبر..

     ولكن أين قبري يا صديقي ؟ أين قبري
    يا أخي ؟ أين قبري ؟"
    6

     

    فكأنّ الشاعر ، وهو يشكو المنفى ، يجترّ منفاه الذي يعيشه داخل ذاته، ونفس
    الوجع ، والشكوى نجدهما في رسالة أخرى معنونة بـ ( هناك شجرة خروب) ، والتي
    كتبت بباريس بتاريخ 3/6/1986 ، وفيها يروي حوارا طريفا جمعه بصحفي في التلفزيون
    الهولندي ؛ إذ يقول:-

      " انقضّ عليّ أحد
    المحاورين ، وهو كاتب فنلندي شهير بهذا السؤال المدهش:- هل تعرف كيبوتس (يسعور)؟
    أجبت :- نعم أعرف مكانه ، لأنّي أعرف أنقاضي ، ولكن لماذا تحرّك فيّ هذا العطش ؟
    قال: أنا من هناك ، أعني عشت هناك عشر سنين ، ومن حقّي أن أعود إلى هناك في أيّ
    وقت أشاء.

    قلت:-في أيّ وقت تشاء ،، لماذا؟

    قال:- لأنّي يهودي..
    قلتله ، وقد تحوّل إلى مرآة:- يا سيّد دانيال كاتس..يبدو لي أنّك تعرف
    أنّني ولدت هناك ، تحت غرفة نومك ، وتعرف أن لا حقّ لي في العودة إلى مكان ولادتي
    بينما أنت الفنلندي صاحب العشرين ألف بحيرة ، تملك الحقّ في العودة إلى بلادي في
    أيّ وقت تشاء.."
    7

     

       ولعلنا لاحظنا، وأحسسنا طعم
    المرارة في حلق محمود درويش، وهو يتجرّع مرارة المنفى، والغربة، والابتعاد عن أرضه
    الأمّ.

      أمّا الصنف الثاني من الرسائل فهي
    رسائل السخط والعار التي تتجلى من خلالها مواقف الانكسار التي شهدها الشاعران.

      ففي رسالة تلفونية تحمل عنوان (خذ
    القصيدة عنّي)
    يقول واصفا زمن الردّة العربية:-

    "لقد تعلمت الأمّة نعمة الصمت الحكيم، وتعلّم الإسرائيليون بعض
    التقاليد العربية، وفي مقدمتها ردّّة الرجل إلى بيت العروس.شمعون بيرس في القصر
    الملكي المغربي.معمّر القذافي لا يصدّق. لا يصدّق إلى الحدّ الذي جعله يصدّق أنّ
    هذه الزيارة مخالفة لاتّفاق الوحدة الموقعة في وجدة..

    أما جامعة الدول العربية فإنّها مازالت مشغولة في البحث عن ميزانيّة لتشييد
    مبناها الجديد اللائق بوضعها الجديد.

    شلوم عزيزي سميح شلوم..ولكنّي لا أظنّ أنّ من حق السادات أن يفرح كثيرا ،
    فمازال في رزنامة العرب ما هو أشدّ سوادا."
    8

     وفي سخرية ومرارة يقول:-"
    دمنا الذي اجتاحوه يوما لتلوين الأعلام ، ولتحسين سعر النفط ، وحين تدهورت أسعار
    البترول انتهت الحاجة إلى دمنا الذي صار دما فائضا عن الحاجة لا لزوم له ، ولا
    لزوم لما لا يلزم من شعب زائد صار التخلص من بشاعة منظرنا ومن جهلنا ، ومن خمولنا
    شرطا للحصول على الديون الأمريكية."
    9

       وبنفس نبرة الحزن والسخرية يضيف
    :-" شلوم سميح شلوم..هل تذكر العهد الذي كانت فيه السياسة العربية تستنجد
    بأمريكا لتحميها من طيش إسرائيل ..لقد امتدّ بنا الأجل لنرى كيف تستنجد السياسة
    العربية بإسرائيل لتحميها من العدوان الأمريكي ، ومن الإفلاس ."
    10  ، ليخلص في النهاية إلى أنّ الانبطاح العربي هو
    سنّة شائعة ، فيقول مخاطبا سميح القاسم :-

    "انظر ، إذا كان في وسعك بعد أن تنظر إلى فردوس الصمت الممتد من طنجة
    إلى عدن..واضحون كالفضيحة.متساوون كالرمال..حكماء كالعبيد ، وبلا قناع في مسرح
    العبث المفتوح بلا قناع ..كم من قناع سوف يسقط ؟ كم مرّة سنقول " سقط
    القناع" لكي نرى بشكل أوضح ..لا أقترح جوابا .إنّي أطلّ على صحراء."
    11

     

      تشعّ من خلال عبارات الرسالة هاته
    نبرات حزينة مغلّفة بسخرية قاتلة .

    وفي المحور الثالث نجد رسائل الحب والأمل ، وهي رسائل أقرب إلى الإفضاءات
    الذاتية ، وقد اخترت عيّنة من هنا وهناك ، لأنّه لا يكفي في هذه الإطلالة القصيرة
    أن نلمّ بجميع الرسائل . 

      ففي رسالة ( لن يفلت أحد من
    شهوتنا)
    يقول سميح القاسم :- " أخي محمود..

    مسكين ساعي البريد المتنقل بيننا مثل رقاص ساعة أثريّة .مسكين ساعي بريدنا
    ، حمل رسالتك- دمعتك- الأخيرة ، فحملته الحيرة كيف يوصلها إلي ؟ كيف ، ومن أين؟
    ومتى ؟

    محمود يا أخي.. أيّة لوعة في القلب أودعتها رسالتك ؟ إنّ صرختك المتحشرجة
    " خذ عنّي القصيدة " هي التكثيف النهائيّ ، والكامل لألمنا الفلسطينيّ.

     ها أنا ذا أرتاح قليلا ، حين أكتب
    إليك ، فإنّي أكتب إلى نفسي ..ويا لها من مناورة رائعة هذه التي نتعزى بها في زمن
    شحّ فيه العزاء."
    12

     

      وفي رسالة أخرى تحمل عنوان (شقاء
    يوم الثلاثاء)
    يقول محمود درويش:-

    " عزيزي سميح..

     لا نطوي هذه الصفحة إلاّ لنبدأ
    كتابا جديدا ، فإلى أين أنت ذاهب في ربيع شديد الغموض؟
    ..ثمّ يقول :- " سافر فيك كما يطيب لك السفر المضاد .لعلّ في
    أقاليم القلب ما يعوض عنك هزائم الجغرافيا ، وتبدّل فصول ستجدها هناك في القلب
    أكثر فوضى ، وغموضا مما هي عليه في الخارج.أما كان في مقدور وردة مخبأة في داخلك
    أن تنفجر فجأة لتجتاح قارة من الجليد.."
    13

     

      ثمّ يعرج بالحديث عن هموم حياتية
    أخرى ، وانشغالات ثقافية ، واجتماعية كما جاء في رسالة ( منذ البداية) التي
    تتعرض لحدث تأسيس  إتّحاد الكتّاب العرب في
    الوطن المحتل ، فيقول محمود درويش :- " عزيزي سميح القاسم..

    ليس حدثا عاديا في ظروف غير عادية أن تنجح أنت ، وإخوانك الكتّاب في تأسيس
    أوّل اتّحاد للكتاب العرب في الوطن المحتل بعد أربعين عاما من الاحتلال.

    أربعون عاما لا تنظر إلى الوراء بحزن ..لا تنظر إلى الوراء إلاّ لتعرف إلى
    أين وصلت بنا الطريق ..للأعداء حساباتهم ، ولنا حساباتنا.."

    إلى أن يقول :- " وإلى أن يتمّ ذلك.أتمنى لك النجاح في موقعك
    الوطني ، والثقافي الجديد ،وأتمنى لك المقدرة على التّعايش مع نا ينغّص مناخ هذا
    الإنجاز من حيث انشقاق لا مبرر له.."
    14

      وفي رسالة أخرى كتبت في باريس
    بتاريخ 29/2/1988 .يقول فيها محمود درويش ، وهي تحمل عنوان (كرم نابوت ، ومهنة
    الورد)..

     " عزيزي سميح ، سأعترف لك
    الآن بأنّني كنت في حاجة ملحّة إلى هذه العودة من قبل ..في الصيف المرّ الذي لم
    ينقذني فيه سوى اللّيلك من وحشة جديدة في الغربة القديمة ".
    15.

     

      ويقول أيضا في عبارات تحمل من
    الحبّ ، والأمل الشيء الكثير :- " ومن هذا الحجر سننشيء دولة العشّاق
    ..هكذا قال لي الإيقاع قبل سبع سنين دون أن أعني هذه الفطرة .هذه السليقة ، ولا
    هذا السلاح ..

     ألا تمتليء أغصان شجرتنا العارية
    بملايين من العصافير تأتي لا لترحل ، بل لترتديها الشجرة في هذا الربيع المبكّر ،
    أو المتأخّر كأنّها تنبثق من كلّ حبّة رمل لتختم على مرحلة العسر ، والعقم بولادة
    العمر كلّه.."
    16

     

      إنّ هذه الحميميات لا تخلو هي
    الأخرى من إفرازات أخرى ، فحتّى في حديث الذات عن همومها تتجلّى هموم الوطن الجريح
    ممّا يعني أنّ الشاعرين لا ينظران إلى ذاتهما إلاّ من خلال عيون الوطن، وانكسارات
    المواطن العربي من الماء إلى الماء.

      ومن جملة ما يمكن استنتاجه من
    خلال هذه القراءة لأدب الرسائل بين الشاعرين ما يلي :-

     

    - أنّ أدب الرسائل فنّ أدبيّ قائم بذاته ، وما يزال يحظى باهتمام الأدباء ،
    والنقاد رغم انحساره.

    - قد يكون أدب الرسالة أهم الفنون الأدبيّة على الإطلاق لإسماع صوت الشعوب.

    - قد يخرج فن الرسالة من إخوانيته ، ليخترق جدار الوطنية ، والقومية ، والعكس
    صحيح.

    - تبدو من خلال تلك الرسائل تلك القدرة ، والبراعة النادرة التي مثلما ميّزت
    شعر الشاعرين ، أبانت أيضا عن باعهما النثري ، فهما ينثران كأنّهما يقولان شعرا
    بتلقائية ، وبكثير من الجمالية ، والإبداع.

     

     

    الدكتورة نزيهة زاغز / جامعة محمد
    خيضر بسكرة

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

    الإحالات:-

    1- الرسائل . محمود درويش وسميح القاسم .دار العودة بيروت  .1990 
    .ص 15.

    2- المصدر نفسه ص 27

    3-المصدر نفسه ص 35

    4- المصدر نفسه ص 35

    5- المصدر نفسه ص 39

    6- المصدر نفسه ص 43

    7- المصدر نفسه ص 63

    8- المصدر نفسه ص 64

    9- المصدر نفسه ص 64

    10- المصدر نفسه ص 65

    11-المصدر نفسه ص 69

    12-المصدر نفسه ص 157نّأن

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

         13-المصدر نفسه ص 173

         14- المصدر نفسه ص 166

         15- المصدر نفسه  ص 173

         16- المصدر نفسه ص 174

     

     

  • محاضرات في مادة

     

     " "

    النقد الأدبي المعاصر

     

     

    موجهة لطلبة الدراسات العليا

     

     

     

    تخصص نقد أدبي

     

    إعداد الدكتورة:-

     نزيهة زاغز

     

    فهرس الموضوعات

     مقدمة.(1-5

     

    المحاضرات

    المحور الأول:- المناهج النقدية المعاصرة

     

     المحاضرة الأولى:- طرائق
    التحليل الأسلوبي ............................ (6-15)

     المحاضرة الثانية:- التحليل الأسلوبي للبنى
    الدلالية/ قراءة في مجهودات الأسلوبيين الجزائريين
    ………………………………………………………………………….(16
    -28)

    المحاضرة
    الثالثة :-البنيوية / نشأتها وأصولها
    ……………………………..(29-38)

    المحاضرة
    الرابعة:- اتجاهات البنيوية وأهم الروافد والجذور
    ……………..(39-50)

    المحاضرة
    الخامسة:- الرؤية الشعرية للمكان /محمود المسعدي أنموذجا
    ..(51-66)

    المحاضرة
    السادسة :-في النقد الثقافي / الأبعاد المستعارة في رواية زمن القلب لـ محمد
    العالي عرعار – قراءة في التثاقف التيمي والنسقي
    …………………(67-77)

    المحاضرة
    السابعة :- في نظرية التلقي/ البحث فيما وراء النص / جدلية التواصل بين النص
    والمتلقي
    …………………………………………………………………..(78-89)

    المحاضرة
    الثامنة :- في التحليل السيميائي / إيروتيكا الجسد. الميثالوية النواسية. نضت عنها
    القميص أنموذجا
    ……………………………………………….(90
    -99)

     

     

     

    المحور الثاني :- دراسات نقدية

    المحاضرة
    الأولى :-زليخة السعودي ناقدة / الرؤية الانطباعية في مقالات السعودي
    ………………………………………………………………………….(100-107)

    المحاضرة
    الثانية :- حول علاقة الشعر بالأسطورة / الرؤية والموضوع
    ..(108-117)

    المحاضرة
    الثالثة :- شارل بودلير مفجر الرمزية
    ………………………….(118-122)

    +المحاضرة الرابعة :- في السيرة الذاتية / العبور من
    الحياة إلى الفن – مفهوم الرواية السيراوية . مارسيل بروست أنموذجا…
    ……………………………………(123-141)

     

    -خاتمة.

    -قائمة
    المصادر والمراجع.

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

    مقدمة

     

     تتضمن هذه
    المطبوعة مجموعة من المحاضرات في مادة النقد الأدبي المعاصر، التي قدمت لطلبة
    الدراسات العليا (ماجستير / تخصص نقد أدبي)خلال الموسم الجامعي 2010/2011 ،والهدف
    من جمع هذه المادة هو محاولة لملمة ما تفرق هنا وهناك من جهة ،ومن جهة ثانية وضع
    طالب الدراسات العليا بالخصوص ومجموع الطلبة على العموم في صورة المتلقي الدائم
    الذي يحتاج إلى مرجع يستند إليه في دراساته وبحوثه عن طريق استرجاع ما أخذه من
    مادة علمية في مرحلة التكوين ومن ثمة تسهيل عملية التحصيل العلمي في مجال مادة
    النقد الأدبي المعاصر.

    قسمت المحاضرات إلى محورين أساسيين :-

    عنونا المحور الأول بـ : المناهج النقدية المعاصرة
    وضممنا فيه ثماني محاضرات نذكرها على التوالي :-

    المحاضرة
    الأولى:- التحليل الأسلوبي للبنى الدلالية/ قراءة في مجهودات الأسلوبيين
    الجزائريين

    المحاضرة
    الثانية:- طرائق التحليل الأسلوبي

    المحاضرة
    الثالثة :-البنيوية / نشأتها وأصولها

    المحاضرة
    الرابعة:- إتجاهات البنيوية وأهم الروافد والجذور

    المحاضرة
    الخامسة:- الرؤية الشعرية للمكان /محمود المسعدي أنموذجا

    المحاضرة
    السادسة :-في النقد الثقافي / الأبعاد المستعارة في رواية زمن القلب لـ محمد
    العالي عرعار – قراءة في التثاقف التيمي والنسقي

    - المحاضرة السابعة :- في نظرية التلقي/ البحث فيما وراء
    النص / جدلية التواصل بين النص والمتلقي

    المحاضرة الثامنة :- في التحليل السيميائي / إيروتيكا
    الجسد. الميثالوية النواسية. نضت عنها القميص أنموذجا

     

    وقد توخينا في هذه المحاضرات الجانب التطبيقي لأننا
    وجدنا أن أغلب الطلبة يعاني من طريقة تناول النصوص بالتطبيق ، فالمادة العلمية في
    متناول أغلب الطلبة، في حين أن

    الخلل يكمن في كيفية تطبيق هذا الكم النظري .

    أما المحور الثاني فعنوناه بـ- دراسات نقدية ويضم أربع
    محاضرات هي :-

     

    المحاضرة
    الأولى :-زليخة السعودي ناقدة / الرؤية الانطباعية في مقالات السعودي.

    المحاضرة
    الثانية :- حول علاقة الشعر بالأسطورة / الرؤية والموضوع.

    المحاضرة
    الثالثة :- شارل بودلير مفجر الرمزية.

    المحاضرة الرابعة :- في السيرة الذاتية / العبور من
    الحياة إلى الفن – مفهوم الرواية السيراوية . مارسيل بروست أنموذجا.

     

    ما أتمناه هو أن تكون هذه المحاضرات في مادة النقد
    الأدبي المعاصر في متناول الطلبة ، ويجدون فيها 
    ما يفيدهم في مسارهم الدراسي والعلمي.

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

    المحور الأول:-

     

    المناهج النقدية المعاصرة

     

     

     

    المحاضرة
    الأولى:- التحليل الأسلوبي للبنى الدلالية/ قراءة في مجهودات الأسلوبيين
    الجزائريين

    المحاضرة
    الثانية:- طرائق التحليل الأسلوبي

    المحاضرة
    الثالثة :-البنيوية / نشأتها وأصولها

    المحاضرة
    الرابعة:- إتجاهات البنيوية وأهم الروافد والجذور

    المحاضرة
    الخامسة:- الرؤية الشعرية للمكان /محمود المسعدي أنموذجا

    المحاضرة
    السادسة :-في النقد الثقافي / الأبعاد المستعارة في رواية زمن القلب لـ محمد
    العالي عرعار – قراءة في التثاقف التيمي والنسقي

    - المحاضرة السابعة :- في نظرية التلقي/ البحث فيما وراء
    النص / جدلية التواصل بين النص والمتلقي

    المحاضرة الثامنة :- في التحليل السيميائي / إيروتيكا
    الجسد. الميثالوية النواسية. نضت عنها القميص أنموذجا

     

     

     

     

     

    المحاضرة
    الأولى:-

    طرائق التحليل الأسلوبي للنصوص الأدبية

     

    يتّفق الكثير من
    المنظّرين على إيجاد طرق لمقاربة النصوص الأدبية (مقاربة أسلوبية) وفق أحد المناهج
    النقديّة المتّبعة التي تتلاءم مع ذلك النص دون نص آخر، ومن بين المناهج المعمول
    بها نجد المنهج الأسلوبي وعند بلوغ الأمر هذا الحد، فإنّنا نكون أمام "صناعة
    ذات وجهين، وجه فنّي وآخر علمي مجتمعين فيها، قد يكبر أحد وجهيهما دون أن يندثر
    أيّ منهما".([1])

    وبما أنّ جوهر
    الأسلوبية ينطلق من مقوّمات لغويّة، فلا يمكن أن تقوم للأسلوبية قائمة دون
    ارتكازها على البنية اللغويّة للنص "فالأسلوب - حسب تصوّر بالي- هو الاستعمال
    ذاته، فكأنّ اللغة مجموعة شحنات معزولة، والأسلوب هو إدخال بعضها في تفاعل مع
    البعض الآخر كما في مخبر لغوي".([2])

    وبما أنّ المنطلق هو
    اللّغة، فمن الطبيعي أن يكون الاعتماد في التحليل الأسلوبي منصبّا على هذا الأمر،
    على اعتبار أنّ الأسلوبية هي نظريّة علميّة متكاملة تقارب النصوص بأدوات إجرائية
    معيّنة، رغم تضارب آراء النقّاد ما بين مؤيّد ومعارض لهذا الأمر، فهناك فريقان منقسمان
    كلّ فريق يدلي بدلوه. "أحدهما يثبت أنّ الأسلوبية هي منهج أصولي في نقد
    النصوص الأدبيّة، وثانيهما يرفض أن تكون الأسلوبية منهجا نقديّا".([3])

    ورغم هذا التضارب إلاّ
    أنّ الأسلوبية قد أوجدت لها مكانا بين المناهج النقديّة، وأسّست لها مجالا في فضاء
    النصوص الأدبيّة لكونها تمزج بين شيئين التذوّق الأدبي من جهة باعتبارها تحاول
    دراسة كيفية وطريقة الكتابة، وحتّى تخرج من دائرة المعيارية اتّخذت لها إجراءات
    دقيقة يتم بموجبها تحليل النصوص تحليلا أسلوبيّا ممنهجا، وعلميا مقنّنا. ممّا يتيح
    لها جانبا من الموضوعية المطلوبة في الدراسات النقديّة. فـ"مهمّة علم الأسلوب
    في المدرسة اللغوية هي التعرّف على وسائل التعبير المختلفة، وتحديدها وتصنيفها،
    ثمّ إدراجها في أنماط مختلفة".([4])

    وسائل التعبير هذه
    التي حدّدتها مدرسة بالي في كونها تشمل وسائل التعبير النّحوية، وذلك تبعا للتقسيم
    التقليدي الذي يتوزّع على أربعة محاور صوتيّة، وصرفيّة، ونحوية ودلالية. كما توجد –
    حسب هذه المدرسة – وسائل تعبير غير لغويّة كالوصف والقصص، والصيغ الشعريّة،
    والقوالب الفنيّة دون أن نهمل الإضافات والإضاءات الذهنية والفكريّة. كما تشمل
    أيضا وسائل التعبير ما يسمى بأنماط القول المتمثّلة في حالات اللغة بما يشمل
    التواصل والعادات المشتركة...

    انطلاقا من هذا الأمر
    يمكن اعتماد وسائل وطرق مختلفة للتحليل الأسلوبي بتناول أحد النصوص الأدبيّة أو
    مجمل إنتاج أدبي ما، أو بالمقارنة بين الآداب مقارنة أسلوبية، أو دراسة الظاهرة
    الأسلوبية في ارتباطها بالأمكنة والأزمنة. وحسب محمد عزّام فإن هذه الطرق التي
    أوجزها المنظرون في كونها إمّا تتناول: منهج إمكانيات النحو، منهج النظم، منهج
    الكلمات- المفاتيح ، ومنهج تحليل الانحراف ، ومنهج المستوى الوظيفي.

    1- منهج إمكانيات النحو: يهتم بالناحية الجمالية في التحليل، وأهم روّاد هذا
    المنهج نجد: رتشارد أوهمان (
    R.Ohmane) أحد الذين نظروا للنحو التّوليدي
    ولمفهوم الأسلوب الأدبي كما أنّه أحد الذين استرعت انتباههم عبارة بوفون المشهورة
    (الأسلوب هو الرجل) والذي اعتبر (أوهمان) أنّ النحو التحويلي التوليدي قد جسّد
    عبارة (بوفون)، "لأنّه يكشف عن طبيعة الاختبارات التي ينزع إليها الشاعر في
    تشكيل بناه السطحيّة، معتمدا على قواعد التحويل".([5])الذي يتيح الإجابة عن اختيار الأديب لنوع معيّن من البنيات اللغويّة وعلى
    البنيويّة التي تبدو مصدرا للتشكيلات المتنوعة للبنيات السطحيّة.

    2- منهج النظم: وهو يعتمد فكرة أنّ الأسلوب الأدبي يتوخى جملة من
    الخصائص للوصول إلى الكمال، وأهم خاصية هي عنصر (النظم) الذي يدخل نوعا من السلاسة
    والانسجام والتناسق بين أجزاء النص في إطار تركيبي عام، يتكوّن من عناصر معروفة هي
    العنصر الصوتي، العنصر النحوي والعنصر الدلالي، فدراسة هذا الكل المتكامل هو دأب
    الأسلوبية في توخيها لمنهج النظم، ولا تخلو هذه العناصر من عناصر أخرى وإن كانت
    جزئيّة، فهي مهمّة في تحديد مدى هذا التناسق وهذا التضام، ونعني بذلك الأجزاء
    التابعة للنظام العام للنص، فإذا كان الاهتمام بالمستوى الصوتي، فينظر إلى:
    التناسق الصوتي في القصيدة مثلا، فتراعى فيها مخارج الحروف وجمالية الإبداع.

    وإذا كان
    الاهتمام بالمعاني، فيراعى فيها جانبي التشاكل والتباين، وإذا نظر إلى المستوى
    التركيبي فيتم الكشف عن مدى تلاؤم الجمل والعبارات والتناظر والتواتر والتناظم.

    ومن بين الروّاد
    الذين اهتموا بجانب النظم نجد رومان جاكبسون
    (R.Jackobson) الذي لخّص مفهوم النظم في كونه
    يعتمد على اختيار المتكلّم لأدواته التعبيرية من ضمن الرّصيد المعجمي الذي اكتسبه
    من اللغة، والذي استثمره بطريقته الخاصة
    وفق ما يقتضيه التركيب اللغوي والأسلوبي السليم، ووفق هذا فإن الأسلوب
    يتحدّد بأنّه توافق وتطابق لجدول الاختبار على جدول التوزيع، هذا التوافق والتطابق
    يحدث الانسجام والتناسق المطلوب ممّا دفع كوخ
    (coch)إلى اقتراح نوعين من التحليل الأسلوبي يضافا إلى الأنواع والطرق الأخرى للتحليل،
    أحدهما يعنى بالسياق، فيقوم بدراسة العلاقات القائمة بين البنى اللغويّة المختلفة
    في النص، أمّا الثاني فيعنى بالشكل العام للقالب التركيبي، فيقوم بتتبّع الخلل
    الذي يحدثه حذف عنصر من العناصر في النص الشعري.

    وقد اهتمّ بالعمل في
    هذا المضمار هاليداي
    (M. Halliday)الذي حرص أشد الحرص على مبدأ التلاحم (Cohésion)الذي يتكوّن جرّاء التسلسل المتحقّق في بنية التركيب اللغوي وهو عبارة عن تشابك
    وتواصل مفصلي في هيكل القصيدة الذي يحقّق عن طريق تكرار النغمة في الأسلوب.

    3- منهج الكلمات – المفاتيح: وهو منهج أسلوبي يتكئ على إبراز الكوامن الوجدانيّة عن
    طريق استقراء اللغة، إذ عادة ما تكون متخفيّة ومستترة تحت التراكيب اللغوية
    الظاهرة، فهذه الكلمات بمثابة الشارات التي يستهدي بهديها المنظرون للتعمّق في
    مشاعر ونفسيات واهتمامات الشاعر، ورغم ذلك فإنّ الأمر ليس بهاته السهولة، فغالبا
    ما يضلون عن الحقيقة، لأنّ هذه النظرة تبقى قاصرة عن الوصول إلى حقائق الأمور
    المتعلّقة بالبنيات النفسية والذهنية للمبدع.

    "وتعود
    هذه الفكرة إلى دي سوسير أو من بعده ريفاتير لأنّ نواة المرجع النصّي أو هويّة
    الجهاز عند سوسير تنحصر في كلمة واحدة يعاد اكتشافها متفرّقة في مواطن مختلفة من
    النص، وموزّعة على طول الجمل، في حين يرى ريفاتير أنّ المرجع النصّي كامن في
    التحويلات المعجمية التي تطرأ على معطى دلالي ما. ذلك أنّ النواة الدلالية، كعلامة
    المرض العصبي يضغط عليها الكبت فيجعلها تنفجر في مواطن أخرى من النص انفجار
    البركان، فتخرج في أشكال علامات أخرى، أي في أشكال مرادفات أو ما كان من
    قبيلها".([6])

    إذ اعتبرا (دي سوسير
    وريفاتير) أنّ الكلمات – المفاتيح هي الوحيدة القادرة على فتح مركز الإبداع
    والإطلالة على مخزوناته، وعادة ما يكون مؤشّر الكلمة – المفتاح هو مدى تواترها
    أكثر من غيرها في لغة الشاعر، فهي بمثابة الهاجس المركزي الذي يبين عن رؤية الشاعر
    وتفاعله مع الآخر.

    "وقد انتقلت دراسة
    الكلمات – المفاتيح في الآونة الأخيرة إلى دراسة الحقول الدلالية بمنهج بنيوي،
    لاستكشاف العناصر المستقبلة فيها، وعلاقات التبادل والتضاد بينها، وتحليل شبكة
    علاقاتها من أجل ربطها بالنمط، أو النموذج المثالي واختصارها في معادلتها الأخيرة،
    قبل البحث عن تفسيرها الجمالي والاجتماعي معا".([7])

    4- منهج تحليل الانحراف: وهذا ما يميّز لغة الأدب عن اللغة العادية، فالانزياح
    هو نوع من مخالفة المألوف سواء في تركيب الجملة حيث يتم تقديم الفاعل أو المفعول
    به مثلا على غير ما يكون التركيب عادة. والانحراف بالإضافة إلى كونه نوع من
    المخالفة تختلف درجتها باختلاف هذا الانحراف، فإنّه يرتبط بالقيمة الجمالية في
    النص، فهو عادة ما يخرج من البنية التركيبيّة السطحيّة إلى البنية العميقة ليدخل
    اللغة مدارات أوسع وأبلغ وأجمل. "فنجد تراقب الانحراف والازورار عن الاستعمال
    العادين ونحاول أن نكشف عرضها الجمالي".([8])

    ولهذا تعد مراقبة هذه
    الانحرافات مثل تكرار أصوات معيّنة، أو محاولة قلب نظام الكلمات أو الإتيان ببنية
    متشابكة من الجمل للوصول إلى إيجاد مبرّر للوظيفة الجمالية كالتأكيد أو الوضوح، أو
    عكس ذلك كالغموض أو التعمية المبرّرة للفروقات. كما جاء في كتاب (نظرية الأدب) وبعد
    التحليل والإتيان بأمثلة من الأساليب المختلفة لكتّاب مختلفين، يرى الثنائي (رينيه
    ويلك، وأوستين وارين) أنّ هناك مخاطر عدّة تكتنف هذا المنهج في التحليل الأسلوبي،
    وذلك بسبب تركيزه على خصوصيات الأسلوب، والتركيز على السمات الواضعة التي تفرّق
    أسلوب ما عن الأنظمة اللغوية التي يحيط به فمثلا 
    حينما أوردا تحليل سبيترز لصياغة الكلمات لدى رابليه الذي يستعمل جذرا
    معروفا ثم يلحق به لواحق خيالية لإبداع ألقاب مضحكة متعدّدة مثل: (
    Sorbonnagre =Orange + Sorbone)
    أي الحمار الوحشي، وذلك لكي يظهر أن لدى رابليه توترا بين الحقيقي وغير الحقيقي،
    بين المضحك والمفزع، بين اليوتوبيا والمذهب الطبيعي والافتراض الرئيسي هنا كما
    وضعه سبيترز هو أنّ: "الإثارة الذهنية التي تنحرف عن المعتاد القياسي في
    حياتنا الذهنية لابد وأن يكون لها انحراف لغوي مرافق، عند الاستعمال العادي".([9])

    5- منهج المستوى الوظيفي: والمقصود به "البحث في الأسلوب على المستوى
    الوظيفي القائم على فكرة الاختيار في التكوين الأسلوبي والضبط الإحصائي".([10])

    وهي عملية اختيار
    لعناصر لغوية معيّنة، وتوظيفها توظيفا قصديّا بغية إحداث نوع من التأثير في نفسية
    المتلقّي أو المستمع وهذا ما يسمّى بالتأثير الأسلوبي.

    ويقتضي الكشف عن مدى
    هذا التوظيف استخدام وسائل قياس دقيقة لضبط ميكانيزمات هذا التوظيف، مراعاة لمبدأ
    التواتر والتكرار وفق معادلات محسوبة ومضبوطة سلفا. للعناصر الصوتيّة والنحويّة
    والمعجمية، بالمقابل لابد من مراعاته مدى تكرار نفس هذه العناصر من ناحية السياق.
    ممّا حدا بهم إلى الإقرار بمبدأ مواز "ينص على أنّ أسلوب ما ليس سوى مركب
    الاحتمالات السياقية لعناصره اللغويّة".([11])

    فالكلمة لا يمكن أن
    تمتلك مدلولا وهي معزولة عن بقيّة العناصر الأخرى، فتجاورها مع الكلمات الأخرى
    يكسبها دلالة أسلوبية بالنظر إلى أنّ التحليل الأسلوبي وفق هذا الاتجاه يعتمد على
    دراسة معدّلات تكرار العناصر اللغويّة في نص معيّن. وحتّى لا يقتصر الأمر على
    مجرّد التكرار الشكلي للكلمات، كان الاهتمام بالسياق على سبيل الابتعاد عن كل ما
    ليس له صلة بالجانب اللغوي. "إذ أنّ

  •  مدخل
    إلى الموضوعاتية:

    مفهومها:

    الموضوعاتية (Thématique) هي: علم دراسة الموضوعات (Les Thèmes) .جاء في قاموس النقد
    الأدبي عن
    (Le
    thème)
    الموضوعة. هو ما تضعه أو يكون موضوع تحليل ما.. في الألسنة (Linguistique), الموضوعة هي ما يتحدث عنه.

           في الموسيقى: الكلمة تعني عنصرا يكون كموضوع للتنويع
    الموسيقي, يكون قاعدة آلبنية للتأليف الموسيقي. في النقد الأدبي, الكلمة مؤشر
    لمحتوى ما. لفكرة مثل الحب, الموت, الإبداع الطبيعة...الخ.. التي ستتطور تحت أشكال
    مختلفة في عمل ما. نتحدث عن المنفى لدى سان جون بيرس
    (Saint John perse) , عن دوافع الإبداع لدى
    ملارميه
    Mallarmé . عن المدينة لدى بودلير Baudelaire)) .

    موضوعات عمل ما التي غالبا ما تتكرر أو تتشكل
    بطريقة غير مباشرة
    (Indirectement).

           الموضوعات الظاهرية والعامة, تتلبس في
    أشكال مجردة وخاصة عبر المادة اللسانية, الكلمات والصور, بعض هذه الكلمات تستطيع
    أن تشكل كلمات موضوعات. وهي الأكثر قصدا في العمل, الصور مثل الصفحة البيضاء.

           النقد الموضوعاتي الذي تحدث عنه باشلار
    يوظف عادة المجالات السيميائية أشكالها وتحولاتها ويربطها بخيال المؤلف.
    (1)

                 أما في كتاب ( ما الأدب المقارن ؟)
    فقد تعرض في الفصل السادس منه للموضوعاتية وعلم الموضوعات. ومما جاء في مقدمة
    الفصل أنه '' يروق الأدب المقارن القيام بتجمعات بحسب الموضوعات, خاصة عندما يتطرق
    باتجاه الأدب العام .
    (2)

           وقد كانت دراسة الموضوعات كثيرا ما تثير
    الخلافات بين المقارنين أنفسهم, إذ يرى فيها '' بينيد كروس '' الموضوعات المفضلة
    للنقد القديم كما يرى '' بول هازار'' أنها لعبة تطمح في الوصول إلى مقاربات فضولية
    واختلافات مسلية, وقد ذكر م .ف.غوريار أن هذا الأخير حرم على المقارنين دراسة
    الموضوعات لأنه لا يرى فيها إلا مادة الأدب التي تبدأ مع تحسين الموضوعات بفضل
    الأجناس والشكل , والأسلوب .
    (1)

                    ويتردد
    الكثير من المنظرين بين مصطلحي الموضوعاتية وعلم الموضوعات كالأنجولي-سكسونيين,
    أما الفرنسيون فيستعملون مصطلح ( تيماتولوجي مقابلا للعلم الموضوعاتي)من أجل وصف
    منهج معين, كما يهملون كلمة ( تيماتيك موضوعاتية ), ولذا يفرق أصحاب كتاب ( ما
    الأدب المقارن ؟) بين علم الموضوعاتية الذي يرونه أنه واحد من مجال الدراسات
    بالنسبة للمقارن, في حين أن الموضوعاتية تشكل منهجا من المناهج التي يمكنه
    الاستعانة بها,كما يرون أنه يمكن أن تسخدم الموضوعاتية في دراسة الموضوعات, ولكنها
    لم تعد محصورة في هذا المجال. كما يرون أن هناك خطورة في استخدام هذا المنهج والتي
    تتمثل في اختزال مجال كبير إلى مجرد موضوع, أو عدد صغير من الموضوعات كما  أن هذا المنهج ليس هو المنهج الوحيد ، إذ يحتفظ
    المنهج التاريخي بكامل حقوقه في مجال علم الموضوعات ( الإحصاءات الكاملة ) ( م ف
    غويار )
    (2)ومما تؤاخذ عليه المقاربة
    الموضوعاتية أنها تفضل ( الموضوعات) على حساب ( الخطط), وبالتالي تفصل المضمون عن
    الشكل, والدال عن المدلول. ولقد ساوى هنري ميشونيك بمهارة فائقة بين التجاوزات
    الأسلوبية( دراسة أحادية الجانب للخطط) وبين التجاوزات الموضوعية ( دراسة أحادية
    الجانب للموضوعات), والتي تقود في الحالتين إلى تجاهل جزئي لموضوع البحث, والعمل
    بأكمله.

           وهذه الملاحظة هي وجيهة بشكل أو بآخر لأنها
    بمثابة المحاذير للمقارنة عندما يريدون وضع الشعور الذي سماه بودلير '' كآبة'' تحت
    تعبير ( ضجر – ملل ) ( إذ أن كلمة كآبة تعني بالمعنى الحرفي للكلمة, أزمة كآبة
    سوداء وتتطابق القصائد الأربع من '' زهور الشر '' والتي عنونت كآبة, مع أربع لحظات
    من الأزمة في نهارات ماطرة )
    (3)

    وهناك
    ملاحظة هامة أيضا هي أن الموضوع الواحد ليس بالضرورة منعزلا عن الموضوعات الأخرى ،
    بل يتداخل معها .      

    كما حاول جورج بوليه أن يسند إلى النقد
    الموضوعاتي مهمة أشخاص عند بعض الهواجس الشخصية التي تعد نقطة انطلاق لألف فكرة أو
    صورة منبعثة من مركز تفكير فردي, أن يظهر عودة بعض الهواجس البيراتيزية عند مختلف
    الكتاب الرومانسيين.

                 كما يمكن أن تكون هذه الموضوعاتية
    ناشئة من الواقع السياسي والاجتماعي والأدبي والفني أيضا إننا نفكر مثلا بمعنى موت
    فاغنر بالنسبة لفرلين أو دانونزيو, أو توماس مان الذي يتذكره في (الموت في
    فينيسيا).
    (1)

                 وفي آخر الفصل يطرح أصحاب كتاب (ما
    الأدب المقارن ؟) السؤال التالي: هل يسعى علم الموضوعاتية لأن يصبح '' تاريخا
    للإنسانية '' أكثر من كونه تاريخا للأدب مثلما أشار '' س سوير '' عام 1928 ؟

                 الجواب بالنفي إذا كان صحيحا أن
    الموضوع لا يوجد إلا من اللحظة التي يعبر فيها عن نفسه ( ر.تروسون). وكذلك الحال
    إذا (كان الموضوع لغة أيضا, تحمل ثوابت بنيوية أسبق من أي محاولة تعبير فردي).
    (2)

     


    (1) - Joëlle Gardes-Tamine, Marie Claude
    Hubert.Dictionnaire de critique Littéraire. P315

    (2)- بيير ونيل
    .كلود بيشوا .اندريه ميشيل روسو . ما الأدب المقارن . ت: غسان السيد . منشورات
    علاء الدين  الطبعة الأولى 1996. ص 129

      المرجع السابق
    ص
    129-(1)

     المرجع نفسه ص 131.- (2)

    (3) - المرجع نفسه ص .135

    - المرجع
    نفسه ص 138.
    (1)

      المرجع السابق
    ص 149.
    -(2)